‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 17 يونيو 2025

المسكين

يونيو 17, 2025 0 Comments



 مسكين هو ، يخوض و يغامر و يصارع و يردد: الدنيا .. الدنيا
و هو لا يعلم كم أشفقت الأرض و السماء على ما يحمله فوق ظهره
يظن أنه لها و لا يعلم أنه لولا رحمة الله لما كان له وجود ولا صوت و لا موجة
لو أنه صمت قبل أن ينطق لسمع ما لا يُقال و أبصر ما لا يُرى و أدرك ما لا يُفهم بالعقل وحده، فلو أن هذا المسكين أجاد الصمت لأجاد الإصغاء لله.
 لم يعرف أن الهدف من الحياة ليس القلق ولا الصراع، بل العودة إلى التناغم الأول، حيث كل شيء يتحرك بلطف، وهدوء، وامتنان، وحيث الإنسان لا يحتاج إلى كثير من الكلمات، لأن نغمته وحدها تتحدث.
و حيث أن تناغمه مع الله هو شفاؤه من كل قلق، وتأدبه في حضرته هو قوته الحقيقية.
فكل شيء مسجّل منذ الأزل، والعارف من يستطيع القراءة.


الجمعة، 10 يناير 2025

درويش 2025 !

يناير 10, 2025 0 Comments

 




لقد تم الترتيب للرحلة و انتهى الأمر!

هذة المرة سيغيب لوقت طويل فهو يريد عزلة حقيقية. لا يريد الإختلاط بأي شخص.
قام بتحضير بعض الملابس الثقيلة ، وسادة و دثار لأن الطقس في سانت كاترين شديد البرودة في الشتاء ، بعض الأطباق البلاستيكية و أدوات المائدة و إن كان لا يعرف حقًا ما سيأكله طوال فترة الشتاء أو إن كان سيملك مائدة حتى ! كذلك لا يعلم إن كان سيستضيفه أحد أم سيعتمد على شراء القليل من الطعام من اي مكان أو لربما أعطاه أحد قوت يومه مقابل القيام بأي عمل بسيط كتنظيف مكان أو نقل حجارة أو قطع الأخشاب.
لم يكن يعرف كذلك أين سيقضي أيامه القادمة ، لقد ترك كل شئ يأتي كما كتبه الله و لم يخطط لأي شئ.
لم يكن يريد أكثر من خلوة مع نفسه طوال فترة الشتاء قبل أن يعود للقاهرة مرة أخرى في بداية الربيع ، أو قد لا يعود مرة أخرى ابدا!

لطالما أرهقه القيل و القال و اللغط و العوادم و التلوث و الزحام و الأصوات العالية ، شجارات الجيران ، المجون ، اغواءات الحياه ، كل الحرام المُيسر له بأسهل الطرق ، التلفاز الذي لا يعرض إلا كل قبيح أو سخيف أو مُبتذل ، الهاتف الذي اصبح عبدًا له ، انعدام الأخلاق و الضمائر للفتيات و الشباب ، شعوره بأنه وحيد جدا وسط كل هذا لأنه لا يستطيع ان يكون مثلهم. لقد ضاقت نفسه حتى لم يعد يشعر أنه على قيد الحياه بإختصار أراد أن يكون درويشًا .

لو أنه يستطيع أن يتجول هائمًا طوال النهار و يكرس حياته للعبادة و يترك كل شئ خلفه و يبدأمن جديد لفعل ذلك على الفور.
لا مزيد من استخدام الهاتف و لا الألعاب ، لا مزيد من السهرات بدون هدف ، لا مزيد من الأخبار عن أي شئ و أي شخص ، لا مزيد من الصداقات و الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. من هذه اللحظه أنا زاهد في كل شئ.
لا بد من إحضار المزيد من المؤن ، علب ثقاب ، خيمة قماشية احتياطية فهو لا يدري حقا أين سيقيم ، صابون ، نعل ، و وسط كل ذلك لم ينس مصحفه و سبحته.

قبل شهر من كل هذا فكر مع نفسه قائلا : الحل في خلوة طويلة المدى أو ربما خلوة ابدية. لذلك تجده في نهار بارد من نهارات شهر ديسمبر يقرر المغادرة. و لا يعلم لماذا اختار سانت كاترين بالذات؟ ربما لأن بها الكثير من الجبال
لشد ما تمنى أن يعيش في الجبال!
لديه حساب بنكي لا بأس به يمكنه إنقاذه إذا ما فشل و اضطر للرجوع و البدء من جديد ، و لديه شقة صغيرة فى أحد أحياء القاهرة شديدة الإزدحام ، و لكنه مأوى على أي حال
إذن هذة الخلوة لن تضره ، بل ربما تفيده أكثر مما يتصور. خلوة لا يفعل بها أي شئ سوى العبادة و تناول اليسير من الطعام الذي يبقيه على قيد الحياه. أما إذا احتاج إلى المال بأي شكل ، فربما يمكنه القيام بأي عمل بسيط لقاء أجر زهيد يكفي يومه و ربما يزيد.
قرر ترك هاتفه في المنزل حتى لا ينشغل بأي شئ آخر ، و إلا فما فائدة تتبع الأخبار و القيل و القال و هو اصلا يريد العزلة.
من اليوم و حتى نهاية الشتاء سأعيش كزاهد متفرغ للعبادة و لا شئ آخر.
لذا كما قلنا ، بعد أن أعد كل شئ قرر الذهاب إلى صديقه المقرب و الذي يقطن على بعد شارعين من بيته ليخبره برحلته هذه في حال إذا ما سأل عنه أحد من الجيران و حتى لا يتوقع أحد أنه ربما توفاه الله.

- اخيرًا أنت هنا ، لم أتوقع مجيئك اليوم. بصراحة لم تبد لي بأحسن حال منذ أن تقابلنا الأسبوع الماضي.
= سأغادر هذا المكان غدًا ، لم أعد أتحمل.
تغيرت ملامح وجه صديقه و استأنف : ماذا؟ هل ستنتقل للعيش في مكان آخر؟
و هنا قص عليه تفاصيل الرحلة و أسبابها 
= جئت فقط لأقول لك حتى لا تقلق من غيابي.
نظر له صديقه نظرة صامتة طويلة استغرقت حوالي دقيقتين شعر فيهما أنه انتقل إلى عالم آخر
و لما أفاق من جموده و أراد سؤال صديقه عن سبب تلك النظرة العميقة التي نفذت إلى أعماق روحه ، بادره صديقه بالكلام اخيرًا :

- لقد اخترت الطريق السهل إذًا !
= الطريق السهل؟ ماذا تقصد؟ هل تظن أن العيش في الجبال سيكون سهلا؟
- طبعا ! من أسهل ما يكون
= كيف ذلك؟
- هل تعتقد أن العيش في الجبال منفردًا سيحقق لك مبتغاك؟ لا توجد ضرورة ملحة لأن تغادر هذا العالم حاملا معك كل هذا السخط!
اسمع يا صديقي ، في الصحراء ربما تجد جو أكثر روحانية من هنا ، و من السهل عليك جدا أن تصبح راهبًا أو درويشًا لو أردت و لكنك لن تتمكن من التعرف على هذا العالم الذي تهجره و ستبقى دائمًا عرضة للإغواء و أضعف بكثير مما أنت عليه الآن.
أن تصبح درويشًا هنا في هذا المكان المكتظ بالناس و الاغواءات هذا هو بيت القصيد!

ساد الصمت لحظات قام بإلتقاط أنفاسه و صب لنفسه و لصديقه كوبين من الشاي
و أكمل قائلا : من الأهم و الأصعب بكثير أن يعيش المرء بين الناس و أن يبقى روحانيًا في نفس الوقت. أن تتحمل مسؤولية الحياه ، الإهتمام بالأصدقاء و الأقارب ، أن تتجاوز الضغط الدائم للمحيط ، أن تكون في خضم المسؤولية ، هذا أصعب بكثير أن تكون زاهدًا في الجبال.
رشف رشفة من الشاي و سألني : هل تعرف الفرق بين نكران الذات و التضحية؟
تلعثم و لم يستطع الرد 
سأشرح لك..
الكثير من الناس يمارسون التضحية و يشعرون بالأسى و يعتقدون أن هذا هو نكران الذات ... أن تحرم نفسك من كل مباهج الحياه ، و لكن في الواقع ، التضحية أدنى مرتبة من نكران الذات رغم أن كلاهما يقوم على نفس المبدأ ، أن تقدم نفسك قربان . و لكن الفرق هنا أن جوهر إنكار الذات مبني على تضحية أنت مستعد للقيام بها و تسعد بتقديمها ، إن نكران الذات لا ينطلق من المبادئ و إنما من المشاعر.
على سبيل المثال إذا كنت مسافر على متن قطار و جلس بجوارك رجل فقير و جائع و معك أنت قطعة خبز واحدة ، اذا اعطيتها الى هذا الرجل و نظرت اليه و هو يأكلها بسعادة فهذا هو نكران الذات . اما اذا ندمت على ما فعلت بعد ذلك و اصابك الجوع و تمنيت لو أنك لم تعطي الرجل الخبز فهذا ليس نكران ذات على الإطلاق.

= هل أصبحت فيلسوف فجأة؟ هل تحاول منعي من السفر؟
- أنا لا أفرض عليك أي شئ ، يمكنك السفر و العيش كما تريد و لكنك لن تصمد طويلا و ستعود أضعف و أكثر حساسية مما أنت عليه الآن
قل لي ، إذا كسرت ساقك و قام الطبيب بعمل جبيرة لها ، هل من الطبيعي أن يطلب منك أن تعيش بهذه الجبيرة للأبد أم أنك يجب أن تنزعها في مرحلة معينة حتى تدرب ساقك على الصمود و تقويها من جديد؟
هذا بالضبط ما أعنيه ، أنت تحاول أن تلف جسدك و حياتك بأكملها بجبيرة خوفًا من تيارات الهواء المفاجآة و لكنك ستنهار كقشة في أول مواجهة بعد نزع الجبيرة ، فروحك لم تكتسب مناعة تقبل الحياه و العيش في خضم هذة الضغوط.

الدرويش الحقيقي هو الذي يمكنه أن يعيش في الجبال إذا أراد و لكنه لا يجد حاجة مُلحة للبقاء هناك ، هو الذي يمكنه البقاء في فندق خمسة نجوم و يمكنه المبيت في الشارع و سيكون سعيدًا راضيًا في الحالتين لأن قلبه لا يميل إلى الفندق ولا إلى الشارع .
الدرويش الحقيقي يمكنه أن يأكل تارة اللحوم و الطيور و الفواكه و تارة أخرى كسرات الخبز الجافة دون أن يجد فرقًا حقيقًا في الطعم بينهم ، هو الذي يمكنه أن يمتلك كل ملذات الحياه و لكنه لا يشعر بأي فرق إذا خسرها لأنه أكثر دقة من باقي الناس و له وجهة نظر في تثمين الأشياء و معرفة قيمتها . لا فرق لديه إذا ارتدى قميصًا مرقعًا أو ثياب فاخرة
كل هذا لا يعنيه في شئ . الله في قلبه سواء أقام في الجبال أو في حي مقتظ بالسكان.

ساد صمت لبُرهة لم يقطعه سوى صوت دقات الساعة المُعلقة على الحائط
تكلم الآخر اخيرًا و قد خرج صوته مُحشرجًا من أثر الصمت : إذًا ماذا علي أن أفعل؟

ابتسم صديقه قائلا : التوازن!
= كيف يكون التوازن؟
- اسمع ، اذا لم نفهم الجوهر الحقيقي و طبع الحياه فنحن نخلق لأنفسنا التعقيدات. حوالي 5% فقط من التعقيدات سببها الشروط الحياتية ، و الباقية الـ 95% نحن السبب فيها.
= هل تعني أننا نخلق الصعوبات بنفسنا؟
- نحن نقوم بذلك يا صديقي عندما لا نرغب بالمقاومة في هذة الدنيا ، عندما نرفض الصدام و نرغب بالهدنة و التناغم فقط لكن يجب أن نعرف انه كي نصنع السلام يجب علينا أن نخوض الحرب ... الحرب مع الذات.
= من السهل أن تقول ذلك و لكن من الصعب أن تنفذه في خضم ما نعيش فيه الآن و في وسط الجنون المحيط بكل شئ!
- بالطبع أعرف أنه من الصعب فعل ذلك ، و لكن عليك أن تدرب نفسك - كما قُلت - يمكنك التعامل مع شتى أنواع الناس و الفتن و المشاكل و الكراهية و لكن الآهم أن تعود إلى محرابك في النهاية ، ذلك المكان المقدس الذي تمتلكه وحدك و لك حرية تقرير مصيره
= تقصد بيتي؟
- أقصد قلبك!
لقد قالها شاعر إنجليزي من قبل و أعتقد أن هذه الحكمة لا تفنى ، هل تعرف ماذا قال؟
ابتسم و قال :
= لا أعرف ، و لكنني متأكد من أنك تعرف و ستخبرني الآن
- إذا استطعت أن تحتفظ بعقلك بينما كل من حولك قد فقدوا عقولهم و يلومونك على ذلك..

 إذا استطعت أن تثق بنفسك بينما الناس تشك فيك، و برغم هذا تسمح لهم بأن يشكوا..

إذا استطعت الإنتظار فلا تتعب فإذا ما خدعك الآخرون لا تلجأ للكذب..

إذا كرهك الناس فلم تدع الكراهية تتغلب عليك... و برغم هذا لا تبدو راضيًا عن نفسك أو تتكلم بحكمة أكثر من اللازم...

 إذا استطعت التعامل مع الجماهير، و برغم هذا تحتفظ بفضائلك... و إذا مشيت مع الملوك و برغم هذا لا تفقد فهمك للناس..

إذا لم يستطع خصومك ولا اصدقائك أن يؤذوك ...

 إذا كنت تهتم بالناس جميعًا ، لكن لا تهتم بأحد أكثر من اللازم...
فلك الأرض وكل ما فيها و ما هو أهم ... ستكون رجلا يا بني.

ساد الصمت لوقت طويل أو احسبه كذلك ، تعمقت في التفكير كما لم أفعل من قبل و لم أحسب الوقت الذي مضى إلا أنني فقدت أي رغبة في السفر أو بمعنى أدق .. بالهروب!

= اعتقد أن معك حق ، ربما سأعطي نفسي فرصة و أفكر في كلامك من جديد ، سأبدأ صفحة جديدة بتفكير جديد و لكن عليك أن تساعدني ، كما انني أحتاج نوعًا ما لتجديد روح المنزل و لن أنسى قبلها بتجديد قلبي.

الجمعة، 8 أبريل 2022

حول العالم فى ٥ دقائق!

أبريل 08, 2022 0 Comments

فى تلك الليلة من ليالِ شهر رمضان كان الشارع ساكنًا تمامًا.
و على الأرجح انتهى الناس للتو من طعام الإفطار و هم يتسامرون و يتناقشون عن أخبار المسلسلات و الفنانات قبل التحضر لصلاة العشاء
فى هذة اللحظة ايقنت شيئًا غريبًا ، و هو أن آخر مسلسل مصرى شاهدته كان حوالى منذ 4 سنوات
لم ادعى قط أننى لا أحب المسلسلات و لم أدعى ايضًا أننى ادمن مشاهدتها ، و لكننى دائما آخذ موقف الحياد. و طالما لم تعجبنى قصة مسلسل بعينه فليس لى حاجة أن أضيع وقتى فى متابعته يوميًا.
فكرت فى أن أغلب المسلسلات الحالية لا تشبه المجتمع المصرى ولا تدل على أصل البلد و الثقافة إطلاقًا ، إلى أن خطرت فى بالى فكرة أن أكتب ما أشعر به بصدق بصدد هذا الموضوع
فدخلت غرفتى الزرقاء ، محرابى الصغير الذى طالما شعرت فيه ببرودة تريح أعصابى و بدفئ يملأ قلبى ، و بدأت بكتابة هذة الكلمات التى تقرأونها الآن

هناك عبارة لم أحبها إجابة قط . ( لقد أصبح العالم قرية صغيرة ).
لماذا على العالم أن يصبح قرية صغيرة؟ و من يريد ذلك اصلاً؟

هل تحب أن تزور المدينة التى ترى فيها ناطحات السحاب فى كل مكان من حولك بينما أنوار المحال التجارية  و المطاعم تحيل الليل نهارًا؟
هل تحب أن ترى البيوت كلها على شكل واحد و نمط واحد؟
نفس ملابس الجينز و نفس شكل الشعر و الزينة للبنات فى كل مكان فى العالم لأن هذة هى (الموضة)؟
نفس الأجهزة الإلكترونية فى كل مكان؟
نفس الوجبات السريعة فى كل بلد و مدينة صغيرة؟
نفس عادات و تقاليد الزواج فى كل مكان لأنك شاهدت مقطع مصور على شبكة الإنترنت لعادات الزواج فى بلد ما و أردت أن تنفذها فى بلدك لأنها فكرة جديدة؟

ماذا سيحدث لو لم يكن العالم قرية صغيرة؟
إليك ما كان سيحدث
كنت ستزور تلك القرية فى بقعة نائية من العالم.
 فى نهاية طريق طينى ممهد طويل تجد البيوت المصنوعة من الحجر الرمادى متناثرة يمينًا و يساراً بشكل عشوائى ، خلف البيوت
تجد نساء القرية يرتدين الأردية الكتانية البيضاء مع رباط أحمر حريرى حول خصرهن و غطاء رأس دائرى مزين بالأزهار و الأقمشة الملونة الصغيرة ، يعملن فى نثر البذور فى تلك الأرض الزراعية ، بينما يجد الرجال فى حصاد محصول الأرز الذى تعتمد عليه القرية بشكل أساسى فى طعامها و إرساله للقرى المجاورة كذلك.
و قبل حلول الليل يعود الأطفال أدراجهم وقد أنهكهم اللعب و رسم أشكال عشوائية بالطبشور على الأرض ، بينما يرسمون أحلامهم فى عقلهم الصغير الذى يتسع للعالم بأسره
يجتمع أهل القرية فى المساء فى دائرة حول النار يتسامرون و يشربون مشروب الزهورات تحت ضوء القمر المكتمل ، يضحكون تارة و يتحدثون بجدية تارة
و يحلم أحدهم لو أنه ينال موافقة والد تلك الفتاه التى تجلس فى الجهة المقابلة و التى صبغها ضوء القمر بمسحة جمال لا شك فيها.

و ربما كنت ترحل عن تلك القرية إلى قرية أخرى أشد حرارة و أجساد أهلها أشد بأسًا و قوة و بشرتهم أكثر سمرة، يعيشون فى الصحراء فى بيوت صغيرة متلاصقة بلون الرمال.
يعمل أهل تلك القرية فى استخراج المعادن النفيسة من المناجم ، و بعضهم يروضون النمور و يعرفون جيدًا كيف يتعاملون إذا ما وجد أحدهم ثعبانًا سامًا . ذلك لأن الطبيب الساحر المقدس- كتقديس زعيم القبيلة نفسه - قد صنع لهم الأحجبة التى تقيهم لدغات العقارب و الثعابين و تحافظ على صحتهم
تمكث النساء فى البيت ليرضعن أطفالهن بينما تذهب الآخريات لجلب المياه من بئر ليست ببعيدة لتخزينها و استخدامها وقت الحاجة

أم أنك تعبت من شمس الصحراء و أردت الذهاب إلى تلك القبيلة التى تسكن ساحل المحيط؟
بعد قطع مسافة لا بأس بها فى غابة ذات أشجار متشابكة ، ستكون محظوظًا إذا حافظت على جسدك من الرطوبة القاتلة أو أنك لم تتعرض للدغ البعوض هنا
و بعد هذة الرحلة المرهقة داخل الغابة ستصل إلى ساحل المحيط الذى يمتد على طوله أكواخ من البوص يعيش فيها أهل القرية
و فى منتصف تلك الأكواخ تجد كوخ أكبر و أطول فى الحجم تزينه من الأعلى الورود القرمزية الداكنة 
أما الباب فتجده مزين بأوراق النخل الخضراء التى يبدو أنها قد وضعت للتو
يقابلك شخص يتحدث بلغة غريبة و تفهم منه بصعوبة أن القرية تشهد عُرسًا فى هذا اليوم ، لذلك تجد رائحة السمك المشوى تملأ الأرجاء . و قبل أن يكمل حديثه يضع طوق من الورد البنفسجى و الأبيض حول رقبتك و يمسك بيدك برفق ليدعوك إلى مجلس الضيوف.
تجلس على حصير من البوص برتقالى اللون و حولك بعض الأشخاص لا يبدو أنهم من تلك القرية ايضًا
تراقب المشهد من حولك لتفهم المزيد. هناك بعض النسوة اللاتى يرتدين فساتين قصيرة بلا أكمام متنوعة الألوان يولين ظهورهن للمحيط و يقفن أمام القدور الضخمة يطهين شئ ما لا تدرى كنهه
تسمع ضحكات الأطفال إلى يمينك فتراهم يتقافزون على الشاطئ يرمون بعضهم بالمياه بينما أنهمكت الصغيرات فى البحث عن الأصداف الصغيرة
من مسافة ما تلمح فتيات خمريات يرقصن بمرونة بالغة و قد أحطن خصرهن بحزام من النباتات المتدلى حتى القدم و يضعن تاج من البوص و الزهور على رؤوسهن و يضحكن فى مرح و يهجة.
بعد قليل يخرج من الكوخ الأكبر شاب يميل للسمرة ، نصفه العلوى عارِ تمامًا يكشف عن عضلات مفتولة و يرتدى نفس طوق الورود على رأسه و طوق على رقبته و لكنه يبدو أكبر و أكثر زهوًا ، تقف بجانبه فتاه غاية فى الحسن ترتدى الكثير من الزينة و الحلى التى تزين شعرها الطويل الأسود.
تدرك تلقائيًا أنها العروسان .  و يبدأ الإحتفال بقرع الطبول و الغناء و الرقص بينما يطوف بعض أهالى القرية على مجلس الضيوف - حيث تراقب المنظر - لتوزيع ثمرات جوز الهند و المانجو و التوت و عصير البرتقال و السمك المشوى 
تأكل فى تلذذ و لا تدرى هل يسر قلبك من الإحتفال أم من الطعام؟!

 بعد أن أنهكك السير تطير إلى أعلى التلال حيث يعيش بعض الكهنة الذين يغطون نصف أجسادهم بأردية من الكتان المصبوغ باللون البرتقالى.
تبدأ مع الوقت إدراك أهمية هذا اللون و قيمته لدى مختلف الناس
يصطف الكهنة حالقى رؤوسهم أمام معبد فى أعلى تل أمام معبد ذهبى يتوسطه جرس ذهبى كبير و أمامه تمثال ذهبى كذلك ، يضمون أيديهم فى إحترام و وقار و يتلون بعض الكلمات بلغة لا تفهمها ايضًا.
تشم رائحة بخور الصندل و النباتات فى كل مكان و عندما تحاول الإقتراب من الكهنة ، يطلب منك أحدهم ألا تفعل لأنك لا يحق لك دخول المكان بهذة الحالة.
تسير مبتعدا قليلا عن المعبد لتجد نهر جارى صغير أمامك يحيطه الكثير من النباتات ، تمد يدك لتشرب من ذلك النبع الصافى و تستريح تحت شجرة كبيرة تلقى بظلالها بجانب النهر.
يأتيك شخص آخر يريد أن يصطحبك معه فلا تدرى إلى أين و لكنك لا تبالى و تريد رؤية المزيد فى إصرار
تمشيان معًا بمحاذاه النهر فتجد مبنى مربع متوسط الحجم من الأحجار الأملس المصقول ، و مزين من الخارج بالشرائط الحمراء و العملات الذهبية و البرونزية التى تحمل رموز لا تفهم معناها
يطلب منك ذلك الشخص أن تخلع نعليك قبل الدخول فتفعل.
فى الداخل تجد رجل تخطى السبعين من عمره على أقل تقدير ضيق العينين مثل الكهنة الذين رأيتهم قبل قليل و لكنه ذو لحية طويلة بيضاء و شعر ابيض طويل مرتب، يرتدى عباءة طويله ذات أكمام واسعة و قد جلس القرفصاء و أمامه طاولة من خشب البلوط عليها الكثير من البرديات البنية و الصفراء ، يقلبها بين اصابعه فى اهتمام و رفق و يسند يده الأخرى على ذقنه
عندما يراك يبتسم فى وهن و ينظر إليك نظرة عميقة كأنه قد فهم شئ ما.
يبدأ التحدث فتفهمه على الفور ، هذا أول حديث مفهوم يدور منذ بداية الرحلة!
- قل لى يا فتى ، لماذا جئت هنا؟
- ترتبك و ترد بصوت متحشرج " جئت لأتعلم"
- و هل تعلمت شيئًا؟
- لا أدرى بالضبط أنا مرتبك فى الحقيقة ، الناس مختلفون تمامًا ، كل شئ يبدو مختلفًا
- يجب أن تعرف أن هذا كله لحكمة
- ما هى الحكمة؟ لماذا يبدو الناس بهذا الإختلاف؟ كيف يمكنهم التواصل مع بعضهم البعض؟
- عليك أن تدرك جيدًا أن كل اختلاف ما هو إلا إنسجام غير مفهوم ، عليك أن تتفكر و تدرك معنى هذا وحدك.
و هناك شئ آخر
- ماذا؟!
- يمكنك القيام بالعديد من الرحلات فى أى وقت تريده ، كل رحلة تترك بصمة فى داخلك و تحرر جزء من روحك و لكن الأهم أن لا تُعرٍف نفسك بشئ أنت لست عليه.. ابدًا.

أنهيت المقال عند هذا الحد و سرحت بخيالى فى العبارة التى قالها ذلك الحكيم و حاولت فهمها بشكل أعمق
أدركت أن فكرتى كانت صحيحة ، لكل مكان روح و زى و عادات طعام و شراب و لغة ، لماذا على الجميع أن يرتدى نفس الشئ و يضعون نفس الزينة و يصبغون شعرهم بذات اللون و يأكلون ذات الوجبة ؟!
لماذا على العالم أن يكون قرية واحدة صغيرة بينما يمكنه أن يكون أكبر من أن يتسع قلبك له؟!
 دق جرس هاتفى فأفزعنى قليلاً  و حمدت الله أننى أنهيت المقال فى الوقت المناسب قبل أن يتشتت فكرى. وجدت رسالة من صديقة لى فقرأتها ( هالة بقولك ايه ، تيجى معايا للكوافير قبل العيد بيومين؟ عايزة ألونه زى بطلة المسلسل اللى بييجي بعد الفطار ده عشان اللون عاجبنى موت ، ايه رأيك؟ ).

الأربعاء، 1 ديسمبر 2021

تحت ضوء القمر

ديسمبر 01, 2021 2 Comments


لم يكن لديها رد فعل معين بعد سماع رأى الناس فيها ، فتارة تراها تضحك و تارة تراها تستمع بجدية و إهتمام عن هذة الآراء
و لكن ما يلفت انتباهها فى كل مرة أن رأى الناس فيها شبه ثابت.
لقد أجمع أغلب من عرفها أنها تعيش بقلب طفلة صغيرة و روح بريئة نقية لم يشوبها التلوث

لا تعرف حقيقة إن كان هذا صحيحًا أم لا ، و لن تعرف ابدًا لأنها قد كونت بالفعل فكرة عن نفسها.
الجانب الأزرق المضئ اضاءة خافتة و الذى لم يراه أحد من قبل
تلك الشعلة المضيئة فى داخلها و التى تعتمد عليها كلية مهما كان رأى الناس أو ظروف الحياه

لقد ولدت شفافة كنبع ماء فى وادٍ مهجور لم تطأه قدم بشر
فى مكان ما حيث الزنابق البيضاء التى لا تنمو إلا وسط بلورات الثلج و لا تزدهر إلا فى ضوء القمر، ترى محراب يتسع لفرد واحد
تسير إليه كل ليلة بصحبة القمر.
هناك حيث يتبدد العالم و تظل هى و صوت أنفاسها فقط.
عالمها الذى لا يعرف عنه أحد و الذى يجرى وفق قوانين خاصة
تجلس القرفصاء و حولها عشرات الشموع و أعواد البخور التى تحترق إلى ما لانهاية لتعطى قلبها بعض الدفئ و تذيب بلورات الثلج من حولها.
تنظر أمامها لترى الماضى و تنظر للمستقبل بعيون فضولية . تتنبأ بما هو قادم ، تشعر به فى قلبها فقط دون استخدام البلورة السحرية.
فى هذا المحراب ترى البحار تموج لتتوقف بإشارة من يدها ، و تصعد فى رحلات طويلة لمشاهدة الكون كله من أعلى. تأخذ فى الإرتفاع أكثر و أكثر حتى توشك أن تمسك الكون بقبضة يدها لتجد نفسها فى نفس المحراب مرة أخرى.
تجدل  خصلات شعرها الأسود المتطاير و تحرق المزيد من أعواد البخور لتضفى على المحراب هالة أكثر قدسية.

بعد ذلك تجدها تمسك الهاون و تخلط مزيج من الزنابق و مياه الأمطار لتصنع خلطات الشفاء. شفاء للقلوب و شفاء للجروح.
تعرف بالضبط ما تفعله رغم عدم إيمان أحد بقدراتها.
تصنع خلطات أخرى من مياه الأنهار المتجمدة و ضوء القمر ليلة إكتماله و الزهور العطرة ، تصنع من بعض هذة الزهور أكليل و تضعه كالتاج فوق رأسها ، يتناسب هذا مع الضفائر التى صنعتها منذ قليل
تعلم أنها سيدة هذا المحراب سواء ارتدت الإكليل أو لم ترتديه

بعد ليلة كاملة من صنع الخلطات و التأمل و الإستحمام بضوء القمر و عبير الزنابق ، تلملم أطراف عباءتها و تخرج بخفة على أطراف قدميها حاملة معها قوارير من خلطات الأعشاب.

تتخلى عن أكليل الورد و القلنسوة البيضاء محاولة إخفاء عبير الزهور المتمسك بخصلات شعرها
تعود كما يعرفها الجميع ، طفلة عادية جدًا ، تسمع لرأيهم فيها مرة أخرى فيضيف البعض أنها بلا خبرة فى الحياه و ساذجة أكثر من اللازم و يلزمها الكثير لتصبح مثلهم
تعاود سماع نفس الكلام و تضحك هذة المرة بصوت أعلى
لن تتخلى عن محرابها أو قوانينها ، تمسك مفتاح المحراب الفضى بيديها و تقبض عليه بشدة حتى لا يراه أحد
تواصل السير و تقول فى نفسها ( لن أتخلى عن هذا ، ابدا ! )
فى نهاية الطريق تجد بائع الحلوى تشترى منه الشيكولاتة و تأكلها فى تلذذ ، توشك على المغادرة حينما تسمعه يتحدث إلى زميله بصوت عالى عن سر رائحة الزنابق المنتشرة فى المكان.





الأربعاء، 15 أبريل 2020

مذكرات شخصية - الجزء الثانى ( طوفان داخلى)

أبريل 15, 2020 2 Comments


كان الوقت عصراً عندما شعرت أن قلبها ممتلئ للغاية ، فى مثل هذة الأوقات المضطربة تلجأ إلى حل من الأثنين
الحل الأول أن تبكى حتى تفرغ حمولة قلبها لأنها دائماً تؤمن أن الإنسان يبكى ليس عندما يكون سعيداً أو حزيناً بل عندما يكون ممتلئ المشاعر أو لديه حنين لشئ أو لشخص
الحل الثانى هو أن تلجأ لأصدقائها التى تجيد التحدث إليهم ، القلم و الورقة . فالقلم و الورقة خير وسيلة للتعبير - بالنسبة لها- عما يدور فى قلبها و هم وسيلة ممتازة لإفراغ حمولة المشاعر الثقيلة هذة

لكن اليوم بالذات شعرت أن حمولة قلبها أثقل من اللازم ، فإذا لجأت للبكاء فقط سترهق قلبها و عينيها و يعد هذا ظلماً واضحاً لهما
و إذا لجأت للكتابة فقط سيضجر القلم منها لأنه لن يجد الكلمات المناسبة لإفراغ هذة الحمولة الثقيلة
لذا لجأت للبكاء و الكتابة معاُ !

فى هذا اليوم راجعت كل ما كتبته فلاحظت أنها عندما تكتب تلجأ للفظ هى بدلاً من أنا .. هى تشعر... هى تسعد... هى تنتظر ... هى تحب
لا لست أنا ، لست أنا ابداً !
كأنما تريد أن تؤكد لنفسها أن ما تعبر عنه ليس بداخلها ، إنها حتماً فتاه أخرى من تنتظر و تسعد و تشعر . لا تعرف سبب ذلك فعلاً هل تشعر بالعار من التعبير عن مشاعرها؟ أم أنها تخجل؟
لن تعرف الإجابة ابداً ولا تريد أن تعرف

امسكت قلماً و ورقة و شعرت بخفقان شديد فى قلبها ، ها هى الدموع قادمة مع الكلمات
الآن سيصير كل شئ على ما يرام

كتبت : ( احياناً تأتى لحظة على الإنسان يهتز فيها داخلياً لدرجة لم يتخيل أنه سيصل إليها يوماً ، قد يكون السبب من كلمة سمعها من أحدهم جعلته يعيد النظر فى كل شئ حوله ، مبادئه ، اصدقائه ، اسلوب حياته ، ليست الضرورة كلمة سلبية أو إيجابية إنما هى فقط كلمة تغير مجرى التفكير
و احياناً يكون بسبب موقف عابر غير وجهه نظره للأمور أو ذكرى تذكره بشخص من أغنية أو صورة أو حلم!!
بالنسبة للأحلام فهى شبه مقدسة بالنسبة لها . لم تخذلها الأحلام يوماً ، تحلم بصديقة لها ترتدى ملابس سيئة جداً لتستيقظ من نومها لتجد رسالة من صديقتها تشكو من مشكلة كبيرة
تحلم بشخص بالغ و لكنها تراه فى الحلم طفل صغير أهوج لتعرف بعد يومين أنه تعرض لموقف أثبت فيه للجميع أنه غير جدير بالمسؤولية مثل الأطفال!
ناهيك عن حلم بحادثة قطار مروعة سببها محاولة السائق لمفاداه بقرة تسير على القضبان لتستيقظ و ترى نفس الأحداث بالتفصيل الممل أمامها على شاشة التلفاز

من هنا صارت الأحلام صديقة لها تخبرها بأسرار لا تستطيع أن تعرفها بشكل مباشر ابداً ، و الغريب أنها تفسر أحلامها بنفسها و لنفسها دون الإستعانة بأحد نظراً لأهمية الأمر و قدسيته فى نظرها
أحياناً يتتحقق الحلم فى اليوم التالى و أحياناً بعد خمس سنوات ! المهم أنها تثق بها ثقة شديدة و تعرف جيداً متى يعبر الحلم عن رغبات داخلية و متى يكون مرآه خفية لشئ سيحدث !)
توقفت لحظة لفرك عينيها التى أصبحت لا ترى بسبب الدموع و أكملت ( ما جعلها تهتز داخلياً هذة المرة و أثقل قلبها بالمشاعر المضطربة كان تسجيل صوتى قديم
لم يكن لشخص معين أو كلام موجه لشخص معين ، كان عبارة عن ضحكات مرحة متداخلة معاً تنم عن سعادة حقيقية لأفراد أفتقدهم.
لقد سمعت ذات مرة أن الإنسان عليه أن يفرق بين ما إذا كان يحب شخص معين أم يحب ذكرياته مع هذا الشخص؟
هل تفتقد هؤلاء الأصدقاء أم أنها تفتقد ذكرياتها معهم؟
الذكريات يمكن تعويضها مع أشخاص آخرين و لكنها لن تكون كجمال الذكريات مع الأشخاص الذين تحبهم فعلاً
ثم كيف حدث البعد و كيف اتسعت الفجوة؟)
تركت القلم للحظة و نظرت للورقة ملياً ، لا تعرف كيف تُكمل ما بدأته . تشعر أنها على وشك كتابة شئ سيشعرها بالألم و لكنها أصرت أن تكمل ( لماذا تشعر أحياناً أنها السبب فى ما يحدث؟
على قدر إتساع عقلها و إشادة الناس به إلا أنها عصبية تشعر أنها من الممكن أن تفقد الناس بسهولة كأنها لم تحبهم يوماً و تشتاق إليهم بالسرعة نفسها و تشعر بالندم على فقدانهم و تبكى بمرارة . كان الندم كرفيق دائم لها
تفكر ملياً .. هل يجب أن ننظر للأمور كما هى أم كما يجب أن تكون؟ 

ما هو الشكل الذى يجب أن تكون عليه أصلاً؟
أعنى هل يجب أن نتقبل أصدقائنا و أحباؤنا و نتماشى مع تغيراتهم أم نتوقف عن إعتبارهم أصدقاء حقيقيون؟
ثم من السبب فى هذا التغيير؟ هل تغيروا فعلاً أم أنها هى من غيرت نظرتها إليهم؟

تشعر بالضياع و أن طاقتها إنتهت ، تريد أن ترى أصدقائها كلهم الآن و كل من أحبتهم يوماً و كل الذين تحبهم ولا تستطيع البوح لهم بذلك
تريد أن تجمعهم فى غرفة بيضاء واسعة.. لا سيكون الشاطئ مكان أفضل
سترتدى ثوبها الأزرق و تسير وسطهم على الرمال لتعطيهم الحلوى و الزهور و تقف أمامهم فى المقدمة كالمعلمة فى الفصل و تقول لهم هل من الممكن أن نبدأ من جديد؟ هل أنتم غاضبون منى؟
حسناً أنا أيضاً غاضبة لكل ما آلت له الأمور غاضبة من نفسى و منكم
تدب بقدمها فى مياه البحر لتحدث إضطراب فى شكل الموجة و تفر دمعة من عينها تمسحها بسرعة قبل أن يراها أحد
أريد الحل حالاً و لينتهى الصخب .. بسرعة
تعود بخيالها من شاطئ البحر إلى اللامكان حيث الورقة و القلم من جديد
هل أصبحت سريعة الغضب؟ أم أن أنهم لا مبالون أكثر من اللازم؟

إذا وُجد طوفان عظيم هل كان ذلك من قوة هبوب الريح و قدرتها على التدمير؟ أم لأن هذا البحر واسع و عظيم جداً فجعلته أصغر موجة طوفاناً؟

هذة المرة لاحظت أن أغلب كتاباتها تحتوى على اسئلة تريد إجابتها بشدة و الكثير من علامات الإستفهام ، حتى أنها فكرت فى جمع هذة الأسئلة فى مفكرة صغيرة لتقرأها بصوت عالٍ و هى تقف على نفس الشاطئ و لكن وحدها هذة المرة حتى تستطيع أن تصرخ كما يحلو لها و تقذف بالأوراق فى النهاية فى البحر.
إنتهت الدموع و إنتهى القلم من إفراغ حمولته كذلك . شعرت بعدها بتحسن كبير إلا أنها قررت أن الأمر يحتاج إلى قطعة كبيرة من الشيكولاتة و نزهة سيراً على الأقدام حتى تعاود الإبتسام مرة أخرى.

الأربعاء، 4 ديسمبر 2019

بيتنا

ديسمبر 04, 2019 4 Comments

أريده أن يكون بيتاً صغيراً كالكوخ
بيتاً أبيض اللون مرسوم على جداره الخارجى الكثير من الطيور و الزهور الملونة بالأزرق و الأصفر و البرتقالى و الأخضر و خصوصاً الأزرق
يطل البيت على نهر النيل . لقد أخترت مكان منعزل حتى لا أسمع إلا خرير الماء و صوتك العذب ينادى بإسمى
أمام البيت يوجد فرن طينى لأصنع لك أطيب أنواع الخبز كل صباح بينما أغنى أجمل أغنيات الحب لك وحدك
و فى الجهة الأخرى للفرن يوجد شجيرات الفل طيبة الرائحة
فى الصباح و قبل ذهابك للعمل تصنع لى طوق من الفل و تضعه كالتاج على خصلات شعرى الأسود الطويل المجعد لأبدو كأميرات الأساطير السحرية

بداخل البيت تختلط رائحة الخبز الطازج مع البخور برائحة المسك الأسود
اتغاضى عن هذة الروائح لألتفت فقط لرائحة عطرك الذى يسحرنى

وقت العصر اجلس بجانب طفلتنا فى مهدها المتواضع اهدهدها و أفكر فى قصة جميلة أحكيها لها فلا أجد أفضل من قصتنا 


فى المساء بجانب النافذة التى تطل على النهر نجلس القرفصاء لنحستى الشاى و أستمع لك بإنصات و إهتمام فأتوه فى عينيك رغماً عنى ، تنظر لى شجيرة الفل فى حسد و استنكار فأرمقها بنظرة حادة لتتركنا و شأننا.

الاثنين، 12 نوفمبر 2018

مذكرات شخصية - الجزء الأول (رسالة لن تصل إليه)

نوفمبر 12, 2018 0 Comments


لم تتذكر متى ولا كيف أصبحت غاضبة هكذا

كانت الساعة التاسعة مساءاً حينما أدركت أنها غاضبة بالفعل ونافذة الصبر كما لم تكن من قبل
حاولت تذكر كيف ومتى حدث هذا ، ولكنها لم تجد فى أحداث اليوم ما يثير غضبتها
عندما عادت للمنزل بعد يوم عمل طويل قررت الكتابة من أجل شعور أفضل ، فقد إعتادت على الكتابة فى أكثر لحظات حياتها فرحة و حزناً و غضباً.
جلست أمام مكتبها الصغير فى تلك الغرفة الزرقاء وأخرجت بعض الأوراق و قلماً و بدأت تفكر عن أى شئ تريد أن تكتب بالضبط؟ ، لأول مرة تستعد لكتابة شئ لا تدرى كنهه بعد
تنهدت ونظرت للأوراق ناصعة البياض أمامها و بادلتها الورقة النظر فى تحدى كأنما تعرف أنها حائرة لا تعرف ماذا ستكتب
حينها فقط قررت وصف مشاعرها كما تشعر بها بالضبط وبدأت بالكتابة :
(( لا أعرف لماذا أشعر بالغضب اليوم !
لا اعرف حتى هل أنا غاضبة منك أم من نفسى أم لما آلت إليه الأمور!
تذكرت هذا الصباح أنه فى مثل هذا اليوم منذ عام لأول مرة كنا فى ذلك المطعم المبنى على الطراز القديم ، لطالما شعرت بالدفئ فى هذا المكان و بالخشب الذى يكسو الجدران مع الملصقات متعددة الألوان عن مأكولات يقدمها المطعم لم تسمع بها من قبل.
دائما ما كنا محاطين بشاشات التلفاز التى تعرض أغانى الجاز الأجنبية والتى لم أنتبه لها يوماً.
بعد ذلك تكررت زيارتنا لنفس المكان و دائماً كنا نختار نفس الطاولة . تارة برفقة اصدقائنا وتارة بمفردنا.
لقد كان قلبى يخفق من شدة السعادة فى كل مرة أراك ، كنت أسارع بطلب مشروبك المفضل قبل أن تصل للمطعم
حتى أن أحد اصدقائنا لاحظ فى مرة أننى لم أطلب لك المشروب الذى أعتدت طلبه لك ، أتذكر أننى قلت ( هو مش هيكون له مزاج يشربه النهاردة هو هيحب يشرب شيكولاتة )
أندهش الجميع حينما وصلت يومها وقلت أنك ترغب فى مشروب الشيكولاتة اليوم على غير العادة !
نعم أتذكر مرات و مرات من اللقاءات فى نفس المكان
أتذكر حينما ألتقينا هناك وحدنا وكنت تحدثنى عن أحلامك و ما تود تحقيقه ، حينما لمعت عيناى بتلك الأحلام ووددت لو أننى أستطيع أن أحققها هنا والآن وأجلبها لك فى حقيبة وردية قائلة أنك الشخص الأفضل فى العالم وأنا .. أنا بالفعل أحبك.
ولكن لأننى لم يكن فى إستطاعتى تحقيق أحلامك ، أكتفيت بالنظر لك فى حنان وقلت أننى سوف أكون معك تحت أى ظرف وسأتبعك حتى فى الظلام لنهاية العالم ))
عدلت من جلستها على المكتب و نظرت فى الفراغ أمامها إلى اللاشئ وخفق قلبها بشدة و راحت تكمل :
(( الآن أحاول أن أتذكر أكثر عن لقائاتنا فى ذلك المطعم ، كان ذلك اللقاء الأخير بيننا منذ أربعة أشهر تقريباً
فى ذلك اليوم أرتديت ملابس مريحة وواسعة و صففت شعرى بعناية وإنتظرتك أن تقول شيئاً فقد بدوت لى صامتاً جداً ولم أدرِ ما أقول أنا.
حتى تشجعت وبدأت الكلام قائلاً أنك لن تكون فتى أحلامى بعد اليوم و أنه لا يجب أن تستمر الأمور بيننا على هذا النحو ، أتذكر ما شعرت به فى هذة اللحظة ولكننى لا أستطيع كتابته هنا على هذة الأوراق ، ويكتفى القول أننى شعرت بنفس الشعور مجدداً هذا الصباح ومن المؤكد أن هذا ما أغضبنى.
فى مساء يوم لقائنا الأخير كنت أفكر فى أى خطأ إرتكبته حتى يحدث لى هذا؟ هل أنا السبب؟ هل هناك فتاه أخرى؟
توصلت إلى أنه فى الغالب هناك فتاه أخرى و على الأرجح كانت موجودة هناك قبلى
لا أدرى من هى ولا كيف تبدو ولكنها بالتأكيد فتاه مرحة ولا تلقى النكات السمجة ولا تبدو مثل الأطفال .. لا تبدو مثلى أبداً.
هل تعلم أننى بدأت الكتابة منذ ذلك اليوم؟
هذة الحمم البركانية التى تثير رهبة وإعجاب الناس لم تظهر إلا بعد إنفجار البركان نفسه
قررت أننى لن أبالى بك بعد اليوم فكل شئ يحدث لسبب وبسبب ولكن هل سمحت بالتوقف عن زيارة قلبى؟ ))
إنتهت من الكتابة الآن و شعرت بشعور أفضل
قامت بطى الورقة على هيئة طائرة لعبة وفتحت النافذة و دعتها للهواء يرسلها إلى اللامكان
فمن المؤكد انها لا تريده أن يقرأ شيئاً كهذا.

قميص وردى و أوراق برتقالية

نوفمبر 12, 2018 0 Comments

للخريف جو ممييز حقاً يميزه عن باقى الفصول ، ولا أرى داعى لربط بعض الناس الخريف بالكآبه
فمثلاً الخريف لا يعلن عن نفسه فجأة وإنما يتمهل لتدرك فى النهاية أنه قد عاد.

فقط الآن تستطيعى أن تفتحِ كل نوافذ بيتك دون قلق من أشعه الشمس الحارقة لتجديها هناك تنظر إليكِ بخجل معتذرة عن حضورها القوى خلال الصيف متحججة بأن البعض يحبون ذلك
فتبادليها النظرات من خلف الستائر البيضاء و تبتسمى لها فى حنان مبالغ قائله أنكِ لا تكرهيها بالفعل ولكنكِ تحبى وجودها فى الخريف كصديقة حميمة وليس كمتسلطة
ترى أنكِ تصالحتى معها الآن فتلوحِ لها فتبادلك التحية بالأشعة الخفيفة الدافئة.
فى الخريف فقط تقررى أنه لا حاجة للمزيد من أكواب اللبن المثلجة وعصائر الفاكهه الباردة وتستبدلى هؤلاء تلقائياً بكوب من اللبن بالقرفة أو القهوة
كذلك لا حاجة للعطور فأنتِ تريدين حتماً أن تستمتعى برائحة الهواء التى لا تعرفى بالتحديد إن كان دافئاً أو بارداً.
تحاولى فتح خزانة الملابس فتدركى أنه لا حاجة كذلك للألوان الصارخة وأنك تكتفى بالملابس المعتدلة بدرجات البنى والوردى والبرتقالى والأزرق ومع ترتيب كل قطعة فى الخزانة تتخيلى كل مرة ترتدى فيها كل شئ منهم ، كيف تبدين؟ هل ما زالت الملابس تناسبك؟
تقررى تأجيل القميص الوردى ذو الأكمام الطويلة ليوم لقائه 
الآن تنتهى من ترتيب الخزانة وتعودى للمطبخ من جديد ولكن لتحضير كعكة الفانيليا هذة المرة ، ربما مع كوب أخر من اللبن
تستمعى لأغنيات أخترتها بنفسك 
تشعرك رائحة الفانيليا بالإمتنان لكل شئ و تقررين أن كعكة البرتقال تناسب الشتاء أكثر
تعودى للنافذة للإسترخاء مستمتعة برائحة الهواء والكعكة واللبن و...؟ والسرحان!!!
قبل البدء فى تناول الكعكة تدركين أن الجو العام يحتاج لبخور برائحة التفاح فتشعلى عوداً وتعودى للنافذة مرة أخرى
فى فصل الخريف فقط تنسحب الموسيقى الصاخبة و رحلات الشواطئ والسيارات المسرعة و طلاء الأظافر الأحمر والبطيخ!  ليفسحوا المجال لشوارع شبه خالية و أغانى فيروز و النزهات القصيرة سيراً على الأقدام و طلاء الأظافر النحاسى والوردى و إلتهام البطاطا ، فالخريف يمهلك الوقت للتفكير وإعادة تشكيل كل شئ حولك
تنتهى من تناول الكعكة واللبن و تنظرى عبر النافذة للشارع الهادئ قبل غروب الشمس بنصف ساعة ، تودعيها وتطلبى منها أياماً أخرى كتلك ، ليس باردة تماماً وليست حارة كذلك
تنظر لكِ و تعدك بذلك لفترة قصيرة قادمة فقط متحججة بأنها لا يمكن أن تأخد موقفاً واحداً طوال العام و تغيب مسرعة.
تتأملين الآن السماء الوردية قبل أن تظلم ، يتطاير شعرك الأسود بعيداً إثر نسمة هواء مفاجأة كالقضمة الأولى من كعكة الفانيليا 
تحلمين وتحلمين 
نحن نسير معاً الآن متشابكى الأيدى ونخطو خطوات واسعة بمرح فى طريق طويل ممهد تَحُفه من الجانبين أشجار بأوراق برتقاليه وخضراء فاتحة 
أنا و أنت ... فقط

بلون عينيه

نوفمبر 12, 2018 0 Comments

إستيقظت فى سخط غير مبرر هذا الصباح ... لعله يكون مبرراً و لم تُرد أن تعترف لنفسها
أرادت أن تفعل شيئاً جديدا اليوم يُمحى مرارة الخبر التعيس الذى وصلها عبر الشاشة المُضيئة فى البريد الإلكترونى.
هو سيتأخر هذة المرة و لن يأتى لرؤيتها ليحدد موعد زفافهما
لكم كان هذا صعباً ( يوووه , يوووه بقى )
أطاحت بوسادتها جانباً حتى ألقتها على الأرض وهى تزمجر
نهضت من الفراش أخيراً لتجد الرزنامة تشير إلى أن اليوم يوم مولدها
" كيف نسيت هذا؟ "
قررت أن تحاول جعل اليوم سعيداً بدونه ... بدونهم
لا شئ أجمل من الحمام الساخن وكوب الشيكولاتة الدافئ فى ديسمبر
وبينما هى جالسة تشاهد التلفاز وتصفف شعرها وتحتسى أخر قطرات المشروب الدافئ الذى حاول جاهداً أن يدفئ قلبها .. دق الباب
لم تكن تنتظر احداً لذلك قامت بخطوات بطيئة وشعرها الأسود الطويل ينساب وراءها
فتحت الباب لتجد أحد عمال توصيل الطرود فى إنتظارها
- " هذا لكِ يا آنسه "
نظرت بتمعن لتجد باقة ورود زرقاء وعلبة بيضاء صغيرة
- " مِن مَن ؟"
لم يكن سؤالاً مناسباً لأنه بالطبع منه... لقد تذكر عيد ميلادها!!
إستلمت الطرد والورود و نظرت للعلبة لوهله بثبات قبل أن تفتحها
أزالت الشريط الأزرق اللامع الذى يغلف العلبة وفتحتها لتجد سلسلة دقيقة الصُنع تنتهى بقلب فضى من النوع الذى يفتح ويغلق
إبتسمت إبتسامة دافئة وفتحت القلب لتجد أخر صورة تم إلتقاطها لهما معاً مقصوصة بعناية وتم لصقها داخل القلب
تناولت العلبة مُسرعة لتجد بداخلها صورة أخرى لهما بحجم كبير وهما يرتديان معاطف سوداء و وشاح أبيض من خيوط التريكو وهما ينظران لبعضهما ويضحكان بشدة
وبجانبها ورقة كُتب فيها بخط منمق " لم أستطع المجئ اليوم بسبب العمل ولكنى أرسلت لكِ قلبى ، فهل هذا كافِ الآن؟ ... كل عام وصغيرتى بخير"
شعرت بفرحة عارمة تجتاحها، تركت كل شئ وفتحت النافذة لتستقبل هواء ديسمبر البارد
شعرت أن الطيور تغنى معها والأشجار تميل مع قفزاتها المجنونة
إرتدت معطفها الأزرق الطويل وعقصت شعرها للخلف وذهبت إلى محل الخردوات المقابل للمنزل وتفحصت كل إطارات الصور بعناية
-" أتبحثين عن إطار معين للصورة؟" سألت بائعة المحل
- نعم أريد هذا الإطار البنى ، وأشارت إلى إطار بنى مميز بألوان داكنة و مزخرف على حوافه بنجوم فضية بحجم صورتهما 
- " اوه ، أخشى أنه يجب أن تستبدليه بالأسود لأن هذا الإطار مكسور جزء منه عن الحافة اليسرى"
- " لا ، اريده كما هو بالكسر الموجود على الحافة!!"
وهكذا دفعت ثمنه وخرجت تركض من المحل وسط دهشة البائعة
عادت إلى المنزل وقد حان وقت غروب الشمس ، وضعت الصورة داخل الإطار ووضعت الإطار بجانب سريرها
- " إنه رائع " قالت إمها عندما دخلت الغرفة ورأته " ولكن ألم تنظرى إلى هذا الكسر عند الحافة؟ ، أظن أنه عليك تبديله بآخر "
- " لا أظن ذلك إنه مناسب تماماً!!! ، الإطار بلون عينيه وهذا الكسر لن أصلحه حتى أقابله ، ألا ترين يا أمى إنه الإطار الأمثل؟!"
إلتفتت إلى الرزنامة على الحائط وقطعت كل الأوراق المتبقية وتركت ورقة بتاريخ ٣١ ديسمبر فى يوم عودته
فى المساء غفت فى سريرها وهى ممسكة بالإطار والصورة وما إن شاهدتها أمها حتى وضعت الإطار جانبها وقامت بتغطيتها وقالت لنفسها هامسة " أعرف أنه اليوم الأجمل فى حياتها ، لا مزيد من ركل الوسائد الآن ... لا مزيد! "