السبت، 2 مايو 2026

لماذا حُرم التنجيم؟

مايو 02, 2026 0 Comments


لا أعرف عزيزي القارئ كيف ستقرأ مقالي هذا!
هل ستنظر له من وجهة نظر دينية على أن مُحرم؟
أم أنك ترى التنجيم على ليس حرامًا و لكنه ليس حقيقيًا بالضرورة.. أي أنه مجرد خرافة و أساطير مُسلية؟
أم أنك تراه علمًا حقيقيًا تمامًا و تحرص بالفعل على متابعة الخراط الفلكية من آن لآخر؟
أيًا ما كانت وجة نظرك و خلفيتك عزيزي القارئ فأنا هنا لأعبر عن رأيي الذي يحتمل الصواب و الخطأ. و حيث أنني أنظر للأشياء عمومًا من وجهة نظر دينية فإني أراه من المحرمات. و لكنني منذ نعومة أظافري - كعادة الأطفال - دائمًا ما اسأل ... لماذا؟
و لا أكتفي بالمُسلمات كما هي ابدًا. و إذا لم أصل إلى إجابة مُرضية، يتم تعليق الموضوع في خزانة الأرشيف في عقلي حتى أجد الإجابة و لو بعد حين.
و كم من ملف في خزانة أرشيف عقلي ينتظر إجابات!

لكنني اليوم قررت فتح ملف التنجيم بعد تأمل عميق في الحياه على المستوى الشخصي لاسيما بعد أن أكتمل نضوجي الفكري إلى حد ما و صرت أنظر للموجودات بشكل مختلف.
و بالطبع فإن هذا المقال يُعبر عن رأيي الشخصي الذي قد يتغير بعد بضع سنوات - رغم أنني لا أظن ذلك - و من هنا فلن أحاول إقناع أحد برأيي ابدًا.

نجد عادة في التنجيم أو في علم التنجيم كما يسميه الدارسون أن دخول أحد الكواكب في أحد الأبراج الاثنا عشر دلالة على حدوث حدث معين كالزلازل أو الحروب مثلاً، أو أن هناك طاقة محددة تحيط بالكون و الحياه و تؤثر في البشر و الموجودات. على سبيل المثال استعداد كوكب عطارد لمغادرة برج الحمل و دخوله برج الثور يعني أن هناك الكثير من الزلازل و الكوارث الطبيعية على وشك الحدوث - حسب تعبير المنجمين- و أن إكتمال القمر في برج العقرب يعني الحصول على المال إلخ...
و هناك حديث نبوي شريف يقول: قال النبي صلى الله عليه و سلم ( قال الله عز و جل: أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر:
فأما من قال : مُطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب. و أما من قال: مُطرنا بنوء كذا و كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)

و من الحديث الشريف نفهم أن النية في الإعتقاد بأن الأمطار على سبيل المثال نزلت رحمة من الله و فضل منه فذلك إيمان كامل و تام بالله عز و جل، أما الإعتقاد بأن سبب نزول المطر دخول كوكب كذا في برج كذا فهذا كفر بالله عز و جل.

و هنا نطرح سؤالي الطفولي... لماذا؟ لماذا يُعد الإيمان بالكوكب كفر بالله؟ ألا يجوز الإيمان بالكوكب و اعتباره كجزء من خلق الله سبب في بعض الأحداث؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نرجع لفكرة الأقدار ... كيف يتكون القدر؟ كيف تتكون الأحداث فعلا؟
لنفترض أن هناك شخص تعرض لحادث بالسيارة، هذا الحادث الذي وقع فعلا هو لوحة البازل المكتملة المكونة للصورة النهائية، و حتى تتكون هذه الصورة هناك الكثير من قطع البازل وُضعت بجانب بعضها حتى يتكون الحدث في صورته النهائية. هذه القطع الصغيرة في نظر الناس هي:
- قد يكون السائق ثمل أو غير منتبه أثناء القيادة مما أدى لوقوع الحادث.
- قد يكون حزين و مشتت الإنتباه.
- من الممكن أنه اخطأ في تقدير المسافات أثناء القيادة و لم يتوقف في اللحظة المناسبة.
- قد يكون ابتلاء من الله ليرفعه درجات.
- من الممكن أن هناك عطل في السيارة
و الكثير و الكثير من الأسباب التي قد تراكمت بعضها أو كلها و تشكلت لتكون الحدث في النهاية.
و هناك البعض الذي تحدث عن تأثير الفراشة، و القول الشائع أن رفرفة جناح فراشة في مكان يتسبب في حدوث أعاصير في مكان آخر على نفس الكوكب. في دلالة على حدوث مئات أو آلاف الأسباب في المنتصف بين الحدثين بشكل لا يصدق.
ألا ترى معي أن حركة الكواكب و النجوم في الأبراج ما هي إلا جزء صغير جدًا من عملية تكوين الحدث أو وقوع القدر؟
ألا ترى أن إيمانك بأن حركة الكواكب على أنها السبب الوحيد و الأساسي المطلق في تكوين الأحداث هي بالتأكيد نظرة شخص لكوب مملوء بالماء على أنه النهر؟
أنت تنظر إلى قطعة البازل الصغيرة على أنها الصورة الكاملة الكبيرة رغم أنها من أصغر القطع في تكوين القدر!
قد تكون لحركة الكواكب تأثير فعلا و لكنها ليست السبب الحقيقي الكبير الذي يستحق الذكر. لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كذب المنجمون و لو صدفوا ) أي أنهم كاذبين على كل حال حتى لو تصادف حدوث ما توقعوه لأنهم لا يعرفون كل الأسباب التي أدت لوقوع الحدث و يتمسكون بالظاهر فقط الذي قد يكون له دور متناهي الصغر. و لكن غير المعقول أن نتعلق بقطعة بازل صغيرة و ننسى باقي القطع التي لا و لن نعرفها حتى.
إذا قامت حرب بين دولتين هل ستفكر في الأسباب المباشرة لهذه الحرب أم أنك ستقول لقد رفرفت فراشة بجناحها في مدغشقر؟!
بالطبع سيظن الناس أنك مجنون أو تهذي و هذا بالضبط ما يسري على الاعتقاد أن دخول كوكب معين في برج معين تسبب في وقوع إعصار!

ناهيك عن أن في هذا إهانة لله عز وجل لأنك تعلقت بالسبب - بل بأصغر و اتفه سبب - و نسيت أن الله تعالى هو المُسبب الذي يعرف باقي قطع البازل ( الأسباب) التي نجهلها و لا يسع عقلنا المحدود حتى إدراكها.
لقد أهان المنجمون الله عز و جل عندما ركزوا على أصغر الأسباب على أنها السبب الكلي بل و الوحيد لحدوث أي شئ.
 "وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ" 
(سورة الحج: ١٨)
في المثال السابق لحادث السيارة ذكرت بعض الأسباب التي تشكلت لتكون الحدث أو القدر رغم أن هذه الأسباب طبيعية و مقبولة للعقل البشري، فماذا عن الأسباب التي لا يسع عقلنا  إستيعابها و قد أخفاها الله عنا رحمة بنا حتى لا نجن!
إن السر العظيم (كُن) يحدث بعد تهيؤ الأسباب، و هذه الأسباب لا يسع الجميع فهمها و إدراكها، و الناس في ذلك درجات، أدناهم المنجمون و أعلاهم العارفين بالله الذين قدروا الله حق قدره.
فعندما يقول العارف (هذا حدث لأنه قضاء الله) فأعلم أنه ليس بجاهل أو ضعيف .. إنه يعلم أكثر مما تظن و يُظهر أقل القليل.




With love

Hala Signature