وهم الإستحقاق
لقد نجحت العلوم الغربية الحديثة و التي يتنافى بعضها مع قواعد الإسلام و الإيمان بالله - نجحت في توجيه عقول الناس إلى بعض المصطلحات الجديدة و التي تزعم أنها جاءت بعد أبحاث عميقة في النفس البشرية. و من أهم و أشهر هذه المصطلحات مصطلح (الاستحقاق).
لقد تحول الاستحقاق إلى ما يشبه بثقافة غير مُعلنة بين الناس، و قد اسئ فهمه بشكل كبير حتى تحول إلى قيد ناعم يلتف حول القلب يمنعه من أبسط الأفعال الفطرية النقية للطبيعة الإنسانية و هي المبادرة.
صار الإنسان يخشى بالفعل أن يبدأ بالسلام أو المباردة في الصلح مع خصمه معتبرًا هذا ضعف أو تنازل عن حقه أو تقليل من استحقاقه و كأن الكرامة صارت تُقاس بالصمت و الغرور لا بصدق النية و السلوك الحسن.
و للأسف صار العديد من المشاهير الدارسين للفكر الغربي يتناقلون هذه الكلمة البراقة (الاستحقاق) و يرددون ما تعلموه بدون وعي و من ناحية أخرى تجدهم يدعون أنهم الدعاه إلى الوعي في العصر الحديث!
وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم دستور حياتنا و كلام الله الذي لا تشوبه شائبة، نجد أن التاريخ يعيد نفسه. حيث نستطيع أن نسمع أصداء قول بني إسرائيل في قصة طالوت كما في الآيه الكريمة:
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
نجد هنا أنهم جعلوا الاستحقاق فيما تراه أعينهم، لا فيما يزكيه الحق. اعترضوا لأن ميزانهم كان ميزان أنا، لا ميزان حكمة. وكذلك النفس حين تقول في خفاء: لماذا أبدأ أنا؟ أنا أحق أن يُبدأ بي. فهي لا تختلف كثيرًا عن ذلك الاعتراض القديم، وإن تغيرت الألفاظ.
وعلى الإنسان أن يتعلم كيف يهذب نفسه و يحررها من التعلق المفرط بالذات أي أن يكسر الأنا المتسلط و يفعل الخير برضا تام وهو قادر على الامتناع و يبادر وهو لا يحتاج، و يعتذر وهو لا يطالب. وعليه أن يتعلم أن يضع النفس في موضعها الصحيح حتى لا يصيبه الغرور و قسوة القلب و يصبح عبدًا لله كما قال سبحانه و تعالى.
على أنني يجب أن أشير إلى أن التحرر من الأنا لا يعني بالضرورة التعرض للذل أو الإهانة و السكوت عليها، فالحلم عند الغضب مطلوب في المواقف الصعبة، و الحفاظ على الكرامة ليس نقيضًا لتهذيب النفس، إنما هو جزء من تمامها. فالفرق دقيق لكنه جوهري. فهناك من يتنازل عن حقه تزكية لنفسه و هناك من يتنازل عن قيمته غفلة عن قدره
فالأول سمو أما الثاني خسارة.
فالإنسان لا يُطلب منه أن يقبل الإهانة و لا ان يساوم على كرامته لأن الكرامة حد من حدود النفس السليمة، إنما يُطلب منه في المقابل ألا يجعل هذا الحد ذريعة لتعطيل الخير و حجابًا يمنعه عن المبادرة.
With love








