الأربعاء، 10 يونيو 2026

المُعلم الأول

يونيو 10, 2026 0 Comments

 


لم تكن مشكلة البشر يومًا أنهم لم يجدوا من يعلمهم، فالمعلمين الأكفاء موجودين منذ فجر التاريخ ولم نسمع حتى عن أكثرهم. لكن المشكلة الحقيقية التي ارتبطت بالإنسان في كل زمان ومكان أنه رسم في ذهنه صورة مُسبقة للمعلم ورفض كل من لا يشبهها.
لقد تصور التلاميذ والمُريدين فكرة أن العلم والحكمة لابد وأن يكون مصدرهم شيخ كبير السن أو عالِم أو حتى كتاب ضخم قديم يحوي أسرار الزمان وحقيقة الكون نفسه. لكن إذا تفكرنا في الأمر لوجدنا أن الدرس الأول بعد الخطأ جاء من غراب!
عندما قتل قابيل أخاه هابيل بدافع الغيرة والحقد والحسد، أصبح من النادمين. لكن الأمر لم ينتهي عند هذا الحد. لقد تفاجأ قابيل بأن عليه أن يدفن أخيه وهو لم يتعلم بعد كيف يفعل ذلك. فأرسل الله سبحانه وتعالى له الغراب ليعلمه كيف يواري سوءة أخيه. لكن عند النظر في الأمر سنجد أن المشكلة لم تكن في الجثة فقط لكن أن الله لم يرسل ملاك أو شخص حكيم أو مُعلم بالهيئة التي يعتقد الإنسان أنها الأفضل ليكون المُعلم له.
ومما يدعو إلى التفكر أكثر في رسالة الخالق عز وجل لقابيل أن هذا المُعلم لم ينطق بحرف ولم يُلقِ خطبة أو يكتب كتابًا، فقد كان تعليمه مبنيًا تمامًا على الفعل لا الكلام.

وللأسف لم يتوقف الأمر عند هذه الواقعة ليفهم الإنسان أن العلم قد يأتي في بعض الأحيان من شيء غير مُتوقع لكن ترفع الإنسان وغروره عن المُعلم الحق استمر بعد ذلك عند تتابع الأنبياء والرُسل عليهم وقد جاءت الأمثلة صريحة في القرآن في قوله تعالى:
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾
فقد اعترض كفار قريش على فكرة أن المُعلم الأعظم الذي جاء برسالة الرحمة من رب العالمين يمكن أن يكون واحدًا منهم بهذه البساطة. شخص يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وليس معه ملائكة مرئيين وليس له كنز أو بستان.
لقد كان الغراب اختبارًا من قبل على تواضع الإنسان المعرفي ومن بعده جاء الأنبياء وكانوا الاختبار نفسه ولكن على مستوى أكبر. وفي كل الأحوال لم يدرك عمق الرسالة إلا القليل.
لقد تعمدت الحكمة الإلهية كسر تصورات البشر عن الشكل الذي يجب أن تأتي به الحقيقة عندما كان موسى عليه السلام رضيعًا في صندوق وعندما كان يوسف عبدًا للبيع وعندما عاش أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتيمًا وقد تعرض للأذى من قومه. حتى أن اليهودية التي حاولت تسميمه قالت (إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك). وكأن الأنبياء ليسوا بشرًا يتألمون ويمرضون كما نمرض إلا أن رحمة الله تسبق الأقدار.
وعندما أراد الله أن تتجلى قدرته للبشر، جعل سليمان عليه السلام ملكًا له من المُلك ما لم يؤت أحدًا بعده. إذن فليس للمُعلم المُبلغ للرسالة أن يكون في وضع واحد دائمًا. وأن الكون كله يمكن أن يكون معلمًا إذا أراد الله ذلك.
فكم من نصيحة أو علم رفضناه اليوم لأننا لم نعجب بهيئة قائلها ولم ننتبه للعبرة من الدرس
نفسه
وكأننا لا زلنا نكرر نفس المشهد الأول في التاريخ ولكن بأقنعة مختلفة وأسماء جديدة. وفي كل زمان يعود السؤال نفسه بأشكال متعددة: هل الحقيقة تُقاس بمن يقولها أم بما تحمله من صدق؟ وهل الحكمة تفقد قيمتها إذا خرجت من فم بسيط أو يد غير متوقعة؟ أم أن المشكلة دائمًا في أعين من ينظر لا في عين ما يُقال؟ لقد كان الإنسان دائمًا يميل إلى تصديق الصورة قبل الفكرة، والشكل قبل المعنى، حتى أصبح معيار القبول عنده مرتبطًا بالمظهر أكثر من الجوهر. لذلك لم يكن غريبًا أن يرفض بعضهم دعوة الحق لأن حاملها لا يملك ما تخيلوه من
مظاهر القوة أو الثراء أو المكانة الاجتماعية.
 ولو تأملنا في سير كثير من الناس الذين غيروا التاريخ، سنجد أنهم في بداياتهم لم يكونوا من أصحاب الهيئات التي تُبهر الآخرين، ومع ذلك حملوا أفكارًا غيرت مسار أجيال كاملة.

 وهنا يظهر سؤال أعمق: كم من أبواب للوعي أُغلقت لأننا اشترطنا أن تأتي المعرفة في الصورة التي نرتاح لها مسبقًا؟

وفي الختام أود أن أختم بمقولة رائعة لشمس الدين التبريزي حيث قال: يوجد معلمون مزيّفون وأساتذة مزيفون في هذا العالم أكثر عدداً من النجوم في الكون المرئي. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعملون بدافع السلطة وبين المعلمين الحقيقيين. فالمُعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مطلقة...وإعجاباً تاماً منك، بل يساعدك على أن تُقدر نفسك الداخلية وتحترمها. إن المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلور، يعبر نور الله من خلالهم.




With love

                                                                                                     Hala Signature

الأربعاء، 20 مايو 2026

فلسفة ورق الجنة

مايو 20, 2026 0 Comments


إذا تحدثت مع إنسان في الفن الجميل، فغالبًا ما ستجد نفسك تحدثه عن الألوان و الأشكال و الخطوط. وإذا تحدثت معه عن المجتمع، فستجد اللغة تميل إلى الشريعة والدين والنظام. و إذا إنتقلت للحديث عن التاريخ، فستذكر الشعور والخبرة والأفراح والأحزان. أما إذا تحدثت عن الدنيا، فستذكر الشهوات والرغبات والأمنيات.
أما إذا تحدثت معه عن الملابس، فستتحدث عن الأشكال والألوان والشعور والخبرة والدين والشريعة وحتى الذاكرة الداخلية للإنسان مجتمعين. وكأن شعوره وخبرته وأعماق نفسه ظهرت للعيان ككتاب مفتوح على صفحة من الصوف أو الحرير أو القماش.


و إذا ما قارنت درجات القرب بين الشخص وملابسه وبين الشخص وصديقه، فستجد حتى أن الملابس أقرب للشخص من ذلك الخليل لأنها مرآه تعكس دواخل نفسه دون أن تكون لها هوى مستقل لأنها جماد مقارنة بشخص له شعور و خبرات و حياه مختلفة مستقلة.


إن كل إنسان يضع جزءًا من روحه في ملابسه،  يمكنك أن تخمن بشكل مبدأي طبيعة الشخص من ملابسه قبل أن تتحدث إليه فعليًا. فهناك من يعتنون عناية فائقة بملابسهم وبمظهرهم الخارجي أكثر من اللازم - سواء رجال أو نساء-، هؤلاء القوم يميلون إلى حساب خطوات حياتهم بدقة بالغة ولا يتركون مجالًا للصدفة ابدًا، وقد تزعجهم المفاجآت لأنها تكسر البنية التي اعتادوا عليها.

هناك بعض الناس تجدهم يبالغون في زخرفة الملابس والزينة ويختارون الألوان الفاقعة و يبتعدون عن القواعد العرفية للملابس المحافظة والتقليدية، وقد تجدهم يميلون إلى إزالة الفوارق بين الجنسين في الملابس حيث يرتدي النساء والرجال نفس الملابس بحجة المساواه مخالفين بذلك الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.

وهناك فئة قلما تجدها في مجتمعنا اليوم، هذه الفئة من الناس ترتدي عن قصد أبسط الملابس في الشكل والهيئة وتبتعد عن الزخرفة والزينة بشكل ملحوظ ومقصود، بل إن البعض قد يرى أنهم بحاجة إلى المزيد من الزينة حتى تكتمل هيئتهم و تُصبح مقبولة اجتماعيًا.

ومهما تنوعت أشكال وألوان الملابس، تظل فكرة أن الملابس تعبير عن المستوى الثقافي و الإجتماعي راسخة في العقول. لدرجة أن بعض الناس يمكنهم أن يقيموا مدى احترامهم للشخص بناءًا على شكله ومظهره. فمثلًا الشحاذ الذي يرتدي ملابس رقيقة متسخة، لن يقابله الناس بنفس الإحترام الذي يظهروه لشخص يرتدي بدلة مزخرفة ونظارة شمسية.


و هنا يأتي السؤال الهام هل كانت الملابس اختراع بشري أم وهم بشري؟

عندما أغوى الشيطان آدم و حواء في الجنة و أقنعهما أن يأكلا من الشجرة، ظهرت الحقيقة الأولى عن الجسد والوعي في آن واحد. ف
طفق يخصفان عليهما من ورق الجنة. فهذه اللحظة لم تكن مجرد اكتشاف للعري ولكن اكتشاف لمعنى الستر نفسه ونتيجة لهذا بدأوا بشكل فطري في استخدام هذا الورق للستر وليداورا عوراتهما كرد فعل فطري على انكشاف الوعي الجديد بالجسد.

فكما نرى منذ بداية خلق الإنسان أن للأخلاق صلة وثيقة تمامًا بالملابس التي يُقصد منها الستر في الأصل كجزء من البنية الأولى لتجربة الإنسان مع نفسه وإدراك الجسد، وغض البصر، وإدراك حدود العلاقة بين الداخل والخارج وليس تحديد المكانة الإجتماعية.


و قد أشار الفيلسوف الساخر أناتول فرانس في قصته (جزيرة البطريق) إلى حوارًا رمزيًا بين قديس و كاهن خبيث النفس يفكر بمنطق الشيطان. حيث يأبى القديس أن تظل الطيور عراه الأجسام بلا ملابس تسترها، فرد عليه الكاهن قائلا (ألا ترى أن الخير في أن تظل هذه الطيور عارية؟ إنهم إذا لبسوا تلك الثياب و قبلوا شريعة الأخلاق أصابهم الكبرياء و الجفاء و القسوة).
ومن هنا يظهر أن الشيطان—في المعنى الرمزي—لا يعمل على نزع الستر بشكل مباشر حتى لا يرفض الإنسان كلامه، لكنه يعمل بخبث على قلب معناه، بحيث يصبح ما وُجد للحماية وسيلة للفتنة، وما وُجد للطمأنينة وسيلة للاضطراب.

فمرت بهما أنثى بطريق بينما هم على الشاطئ، فأشار الكاهن الخبيث إليها وقال: أنظر إلى ضيق كتفيها وسمنة اعضائها وقصر ساقيها! أنظر إلى تلك العضلات .. إنها مجرد ألة صُنعت للمشي و ليست بالكائن الجميل الذي يسر الناظرين!
فإلتقطها الكاهن وبدأ بتلبيسها بعض الملابس والزينة، فما إن رآها ذكران الطير حتى بدأوا يتتبعوها وإلتفوا حولها في جموع كثيرة. فألتقطها القديس وأخذ يعدو بها إلى كهف قريب و قد علم أن الشيطان تلبس في هذا الكاهن الذي حاول إقناعه ليخلع فتنة اللباس عن الإناث.

عند تأمل هذه القصة تجد المفارقة الساخرة، فالأنثى بطبيعتها لم تجذب الأنظار حتى استخدمت أدوات الشيطان التي تبدو وكأنها صُنعت للستر ولكنها أصبحت وسيلة للجذب لا لستر المغريات وزجر الشهوات.
لقد تفنن الشيطان في العصر الحديث في إبعاد الناس لاسيما النساء عن معنى وفلسفة الستر. رغم أن تأمل الآيه الكريمة:
(
فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ) الأعراف 121
كفيلة بإظهار المقصد الحقيقي من الستر والاستحياء من الله أولا واستخدام الملابس للغرض الصحيح دون التفكير بها على أنها مجرد زينة.

فالستر في جوهره اعتراف بقدسية الجسد وحدوده في آن واحد.
ولذلك لم يكن الحجاب في التصور الإسلامي مجرد علامة خارجية، لكنه امتداد لفكرة أقدم من المجتمع نفسه. وحين ضاعت هذه الفكرة، صار اللباس لغة متعددة المعاني:

مرة يُقرأ كهوية، ومرة كزينة، ومرة كعلامة على المكانة الإجتماعية ومرة كتمرد للساعين لطمس الفطرة و إزالة الفروق بين النساء و الرجال .

لكن يبقى الأصل ثابتًا، لا يتغير، و هو أن الله حين علم الإنسان الستر في أول لحظة انكشاف كان يعلمه كيف يعيش وهو واعٍ بكرامته، وبحدوده، وبمسؤوليته أمام نفسه وأمام الله

Hala Signature

الأربعاء، 6 مايو 2026

وهم الإستحقاق

مايو 06, 2026 0 Comments



لقد نجحت العلوم الغربية الحديثة و التي يتنافى بعضها مع قواعد الإسلام و الإيمان بالله - نجحت في توجيه عقول الناس إلى بعض المصطلحات الجديدة و التي تزعم أنها جاءت بعد أبحاث عميقة في النفس البشرية. و من أهم و أشهر هذه المصطلحات مصطلح (الاستحقاق).
لقد تحول الاستحقاق إلى ما يشبه بثقافة غير مُعلنة بين الناس، و قد اسئ فهمه بشكل كبير حتى تحول إلى قيد ناعم يلتف حول القلب يمنعه من أبسط الأفعال الفطرية النقية للطبيعة الإنسانية و هي المبادرة.
صار الإنسان يخشى بالفعل أن يبدأ بالسلام أو المباردة في الصلح مع خصمه معتبرًا هذا ضعف أو تنازل عن حقه أو تقليل من استحقاقه و كأن الكرامة صارت تُقاس بالصمت و الغرور لا بصدق النية و السلوك الحسن.
و للأسف صار العديد من المشاهير الدارسين للفكر الغربي يتناقلون هذه الكلمة البراقة (الاستحقاق) و يرددون ما تعلموه  بدون وعي و من ناحية أخرى تجدهم يدعون أنهم الدعاه إلى الوعي في العصر الحديث!




With love

Hala Signature

السبت، 2 مايو 2026

لماذا حُرم التنجيم؟

مايو 02, 2026 0 Comments


لا أعرف عزيزي القارئ كيف ستقرأ مقالي هذا!
هل ستنظر له من وجهة نظر دينية على أن مُحرم؟
أم أنك ترى التنجيم على ليس حرامًا و لكنه ليس حقيقيًا بالضرورة.. أي أنه مجرد خرافة و أساطير مُسلية؟
أم أنك تراه علمًا حقيقيًا تمامًا و تحرص بالفعل على متابعة الخراط الفلكية من آن لآخر؟
أيًا ما كانت وجة نظرك و خلفيتك عزيزي القارئ فأنا هنا لأعبر عن رأيي الذي يحتمل الصواب و الخطأ. و حيث أنني أنظر للأشياء عمومًا من وجهة نظر دينية فإني أراه من المحرمات. و لكنني منذ نعومة أظافري - كعادة الأطفال - دائمًا ما اسأل ... لماذا؟
و لا أكتفي بالمُسلمات كما هي ابدًا. و إذا لم أصل إلى إجابة مُرضية، يتم تعليق الموضوع في خزانة الأرشيف في عقلي حتى أجد الإجابة و لو بعد حين.
و كم من ملف في خزانة أرشيف عقلي ينتظر إجابات!

لكنني اليوم قررت فتح ملف التنجيم بعد تأمل عميق في الحياه على المستوى الشخصي لاسيما بعد أن أكتمل نضوجي الفكري إلى حد ما و صرت أنظر للموجودات بشكل مختلف.
و بالطبع فإن هذا المقال يُعبر عن رأيي الشخصي الذي قد يتغير بعد بضع سنوات - رغم أنني لا أظن ذلك - و من هنا فلن أحاول إقناع أحد برأيي ابدًا.

نجد عادة في التنجيم أو في علم التنجيم كما يسميه الدارسون أن دخول أحد الكواكب في أحد الأبراج الاثنا عشر دلالة على حدوث حدث معين كالزلازل أو الحروب مثلاً، أو أن هناك طاقة محددة تحيط بالكون و الحياه و تؤثر في البشر و الموجودات. على سبيل المثال استعداد كوكب عطارد لمغادرة برج الحمل و دخوله برج الثور يعني أن هناك الكثير من الزلازل و الكوارث الطبيعية على وشك الحدوث - حسب تعبير المنجمين- و أن إكتمال القمر في برج العقرب يعني الحصول على المال إلخ...
و هناك حديث نبوي شريف يقول: قال النبي صلى الله عليه و سلم ( قال الله عز و جل: أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر:
فأما من قال : مُطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب. و أما من قال: مُطرنا بنوء كذا و كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)

و من الحديث الشريف نفهم أن النية في الإعتقاد بأن الأمطار على سبيل المثال نزلت رحمة من الله و فضل منه فذلك إيمان كامل و تام بالله عز و جل، أما الإعتقاد بأن سبب نزول المطر دخول كوكب كذا في برج كذا فهذا كفر بالله عز و جل.

و هنا نطرح سؤالي الطفولي... لماذا؟ لماذا يُعد الإيمان بالكوكب كفر بالله؟ ألا يجوز الإيمان بالكوكب و اعتباره كجزء من خلق الله سبب في بعض الأحداث؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نرجع لفكرة الأقدار ... كيف يتكون القدر؟ كيف تتكون الأحداث فعلا؟
لنفترض أن هناك شخص تعرض لحادث بالسيارة، هذا الحادث الذي وقع فعلا هو لوحة البازل المكتملة المكونة للصورة النهائية، و حتى تتكون هذه الصورة هناك الكثير من قطع البازل وُضعت بجانب بعضها حتى يتكون الحدث في صورته النهائية. هذه القطع الصغيرة في نظر الناس هي:
- قد يكون السائق ثمل أو غير منتبه أثناء القيادة مما أدى لوقوع الحادث.
- قد يكون حزين و مشتت الإنتباه.
- من الممكن أنه اخطأ في تقدير المسافات أثناء القيادة و لم يتوقف في اللحظة المناسبة.
- قد يكون ابتلاء من الله ليرفعه درجات.
- من الممكن أن هناك عطل في السيارة
و الكثير و الكثير من الأسباب التي قد تراكمت بعضها أو كلها و تشكلت لتكون الحدث في النهاية.
و هناك البعض الذي تحدث عن تأثير الفراشة، و القول الشائع أن رفرفة جناح فراشة في مكان يتسبب في حدوث أعاصير في مكان آخر على نفس الكوكب. في دلالة على حدوث مئات أو آلاف الأسباب في المنتصف بين الحدثين بشكل لا يصدق.
ألا ترى معي أن حركة الكواكب و النجوم في الأبراج ما هي إلا جزء صغير جدًا من عملية تكوين الحدث أو وقوع القدر؟
ألا ترى أن إيمانك بأن حركة الكواكب على أنها السبب الوحيد و الأساسي المطلق في تكوين الأحداث هي بالتأكيد نظرة شخص لكوب مملوء بالماء على أنه النهر؟
أنت تنظر إلى قطعة البازل الصغيرة على أنها الصورة الكاملة الكبيرة رغم أنها من أصغر القطع في تكوين القدر!
قد تكون لحركة الكواكب تأثير فعلا و لكنها ليست السبب الحقيقي الكبير الذي يستحق الذكر. لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كذب المنجمون و لو صدفوا ) أي أنهم كاذبين على كل حال حتى لو تصادف حدوث ما توقعوه لأنهم لا يعرفون كل الأسباب التي أدت لوقوع الحدث و يتمسكون بالظاهر فقط الذي قد يكون له دور متناهي الصغر. و لكن غير المعقول أن نتعلق بقطعة بازل صغيرة و ننسى باقي القطع التي لا و لن نعرفها حتى.
إذا قامت حرب بين دولتين هل ستفكر في الأسباب المباشرة لهذه الحرب أم أنك ستقول لقد رفرفت فراشة بجناحها في مدغشقر؟!
بالطبع سيظن الناس أنك مجنون أو تهذي و هذا بالضبط ما يسري على الاعتقاد أن دخول كوكب معين في برج معين تسبب في وقوع إعصار!

ناهيك عن أن في هذا إهانة لله عز وجل لأنك تعلقت بالسبب - بل بأصغر و اتفه سبب - و نسيت أن الله تعالى هو المُسبب الذي يعرف باقي قطع البازل ( الأسباب) التي نجهلها و لا يسع عقلنا المحدود حتى إدراكها.
لقد أهان المنجمون الله عز و جل عندما ركزوا على أصغر الأسباب على أنها السبب الكلي بل و الوحيد لحدوث أي شئ.
 "وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ" 
(سورة الحج: ١٨)
في المثال السابق لحادث السيارة ذكرت بعض الأسباب التي تشكلت لتكون الحدث أو القدر رغم أن هذه الأسباب طبيعية و مقبولة للعقل البشري، فماذا عن الأسباب التي لا يسع عقلنا  إستيعابها و قد أخفاها الله عنا رحمة بنا حتى لا نجن!
إن السر العظيم (كُن) يحدث بعد تهيؤ الأسباب، و هذه الأسباب لا يسع الجميع فهمها و إدراكها، و الناس في ذلك درجات، أدناهم المنجمون و أعلاهم العارفين بالله الذين قدروا الله حق قدره.
فعندما يقول العارف (هذا حدث لأنه قضاء الله) فأعلم أنه ليس بجاهل أو ضعيف .. إنه يعلم أكثر مما تظن و يُظهر أقل القليل.




With love

Hala Signature

الأربعاء، 7 يناير 2026

القصة التي نجا فيها الكهف وسقط القصر

يناير 07, 2026 0 Comments

لقد بعثت قريش النضر بن الحارث إلى احبار يهود المدينة وسألوه عن النبي محمد صل الله عليه وسلم وقالوا لهم سلوه عن ثلاثة إن عرفهم فهو نبي.. وكان من ضمن الأمور الثلاثة التي سألوا عنها.. فتية ذهبوا في الدهر الأول ولهم حديث غريب.
تخيل معي أن أمر هؤلاء الفتية قد وصلت أخبارهم إلى قريش بعد مئات السنين في عصر لم تتناقل فيه الأخبار إلا شفاهية. وهذا إن دل فهو يدل على مدى تأثر الناس عبر العصور بتلك القصة الغريبة.
عندما يقرأ الإنسان سورة الكهف لأول مرة، قد يظن أن أبطال القصة هم مجموعة من الفتية الذين اختبأوا داخل كهف هربًا من الاضطهاد. لكن بعد التأمل قليلًا يكتشف أن القصة لا تتحدث عن مجرد أشخاص هاربين بقدر ما تتحدث عن فكرة أعمق بكثير: ما الذي يبقى من الإنسان بعد أن يمر الزمن؟

إن من أغرب ما يلفت الانتباه في قصة أصحاب الكهف أن القرآن خلد أسماءهم المعنوية
وموقفهم، بينما لم يهتم بتخليد اسم الملك الذي كانوا يفرون منه. لقد كان ذلك الملك في زمانه صاحب السلطة والجيش والمال والنفوذ، وكانت أوامره نافذة على الناس جميعًا. وربما كان يظن أنه هو مركز العالم وأن التاريخ سيدور حوله إلى الأبد. لكن القرون مرت، فاختفى اسمه
من ذاكرة البشر، بينما بقي ذكر أولئك الفتية يتردد على ألسنة الملايين.
وهنا نطرح سؤالًا مهمًا: كيف تختفي سيرة صاحب القصر وتبقى سيرة ساكن الكهف؟
 لقد اعتاد الإنسان أن يقيس النجاح بما يراه أمام عينيه. فالقصور تلمع، والجيوش تثير الهيبة، والأموال تجذب الأنظار، أما المبادئ فلا يمكن لمسها باليد ولا رؤيتها بالعين. لذلك يظن كثير من الناس أن القوة هي التي تصنع الخلود. لكن التاريخ يكرر الدرس نفسه في كل عصر: القوة قد تصنع ضجيجًا مؤقتًا، أما المبدأ فيصنع أثرًا طويلًا.
يُقال إنه كان يوم عيد من الأعياد إذ خرج هؤلاء الفتية الذين هم من أبناء ملوك الروم وساداتهم، خرجوا ليجدوا قومهم يعبدون الأصنام ويحتفلون بها ويقدمون إليها القرابين. فأبتعد الفتية عن هذا الاحتفال تاركين ورائهم رغد العيش والمجد والثراء وجلس كل منهم تحت شجرة وهم لم يعرفوا بعض من الأساس لكن قلوبهم اجتمعت على التوحيد ورفض عبادة الأصنام. فسبحان من جمعهم في نفس المكان ونفس الوقت ولنفس السبب.
كان كل منهم صامتًا يكتم ايمانه في قلبه مخافة أن يفشي سره الآخر، حتى تكلم أحدهم أن وجودهم هنا ليس صدفة. وعندما أفصح كل منهم عن مكنونات قلبه، صاروا يدًا واحدة مجتمعين على الحق. وعندما بنوا معبدًا لعبادة الله وحده، وشى بهم قومهم إلى الملك وأمر بتجريدهم من كل ما يملكوه من زينة الدنيا. فلاذوا بالفرار إلى ذلك الكهف حتى يكونوا بمأمن من الملك وأعوانه.
 كان أصحاب الكهف يملكون خيارًا أسهل بكثير من الهروب. كان بإمكانهم أن يسايروا المجتمع، وأن يخفوا قناعاتهم، وأن يعيشوا حياة هادئة داخل النظام القائم. كان بإمكانهم أن يحتفظوا بمناصبهم ومكانتهم وأمانهم الشخصي. لكنهم أدركوا أن الإنسان عندما يخسر مبدأه لا يربح شيئًا حقيقيًا مهما احتفظ من مكاسب أخرى.
 ولهذا كان الكهف في قصتهم رمزًا للاختيار الصعب الذي يواجهه كل إنسان في حياته: هل يتمسك بما يؤمن به أم يبيعه مقابل الراحة؟
ومن المفارقات العجيبة أن الكهف في نظر الناس كان مكانًا ضيقًا ومظلمًا وفقيرًا، بينما كان القصر مكانًا واسعًا ومضيئًا ومترفًا. ومع ذلك تحول الكهف إلى رمز للنجاة، بينما تحول القصر إلى رمز للنسيان. وكأن القصة تقول إن قيمة المكان لا تأتي من جدرانه، إنما تأتي من
المبادئ التي يحملها من يعيش داخله.

إن الإنسان بطبيعته مفتون بالقوة الظاهرة. فهو يرى التاج ولا يرى القلق الذي تحته، ويرى الجيوش ولا يرى هشاشتها أمام الزمن، ويرى القصور ولا يرى أنها تتحول يومًا ما إلى أطلال. أما المبدأ فلا يبدو قويًا في لحظته الأولى، وقد يبدو ضعيفًا ومعزولًا ومهزومًا.
 لكن الزمن غالبًا ما يعمل لصالحه. ولهذا نجد أن القرآن لم يركز على تفاصيل السلطة التي واجهت أصحاب الكهف بقدر ما ركز على موقفهم منها. فالرسالة جاءت لتعليم الناس بقيمة الثبات؛ لأن الأسماء تتغير من عصر إلى عصر، أما الامتحان فيبقى هو نفسه.

 وفي حياتنا الحديثة لا تزال القصة تتكرر بأشكال مختلفة. فهناك من يختار القصر الرمزي؛ فيتنازل عن قناعاته ليكسب قبول الناس أو مكانة اجتماعية أو منفعة سريعة. وهناك من يختار الكهف الرمزي؛ فيتمسك بما يراه حقًا حتى لو دفع ثمن ذلك من راحته أو شعبيته أو مكاسبه
الشخصية.

ولهذا بقي ذكر أولئك الفتية خالدًا عبر القرون، لأنهم امتلكوا الشجاعة ليقولوا (لا) عندما كان الجميع يقول (نعم). فالتاريخ لا يخلد دائمًا أصحاب القصور والتيجان، وإنما يخلد أولئك الذين ثبتوا على الحق حين كان الثبات هو الخيار الأصعب. وتلك هي الرسالة التي تجعل قصة أصحاب الكهف حية متنقلة في حكايات الناس في كل زمان حتى قبل نزول سورة الكهف: أن ما يبقى من الإنسان في النهاية ليس ما ملكه، لكن ما آمن به ودافع عنه.



With love

                                                                                                       Hala Signature

الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

وصفة الإمام علي رضي الله عنه لعلاج الأمراض.. من أقوال الشيخ الشعراوي رحمه الله

ديسمبر 24, 2025 0 Comments


من أقوال الشيخ الشعراوي رحمه الله :
جاء إلى الإمام علي - مدينة العلم كرم الله وجهه - رجلا يشتكي وجعًا
قال له الإمام خذ من امرأتك درهمين من صداقها أي من مهرها، و اشتري به عسلاً، و أذب العسل في ماء مطر نازل لساعته .. أي أنه ماء مطر نزل حديثًا، و أشرب هذا العسل المذاب في ماء المطر.
لأن بهذا يجتمع لك أربع عناصر كما يصف الطبيب للمريض دواء به أربع مكونات لتكون سببًا في الشفاء
و ذلك لأنني سمعت الله عز وجل يقول في الماء من السماء (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا

و سمعته يقول في العسل (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ)
و سمعته يقول في مهر زوجته (فكلوه 
هَنِيئًا مَرِيئًا
فإذا اجتمع في دواء البركة و الشفاء و الهنيئ و المريئ.. عافاك الله إن شاء الله


With love


Hala Signature

السبت، 6 ديسمبر 2025

رواية مُربي النحل

ديسمبر 06, 2025 0 Comments

                                                   


لم أكن أتوقع أن مجرد اختيار عشوائي لرواية جديدة ممكن يغير مزاجي أسبوع كامل، لكن هذا تحديدًا ما حدث عندما بدأت قراءة رواية (مُربي النحل) و هي ثاني رواية اقرأها بعد رواية (فتاة المستنقع) للكاتبة جين ستراتورن بورتر. من الصفحة الأولى شعرت و كأنني أنا بطل الرواية الذي هام على وجهه هاربًا من حكم قاسي و معاملة المستشفى العسكري له كقطعة خردة من مخلفات الحرب.
كان عليه أن يهرب و ينجو بنفسه من مصير مُظلم و مستقبل قاتم و هو إيداعه في منفى لمرضى الجذام رغم أنه لم يكن يعاني من الجذام اصلاًا!
ففر البطل ذو الدماء الأسكتلندية الحارة هاربًا من مصير مظلم متجهًا إلى آخر مجهول غير عالم ما ينتظره و محاولا بكل الطرق أن يرمم ما بقي منه، مستعيدًا علاقته بنفسه و بربه و محافظًا على ضميره رغم الجرح الغائر في صدره الذي أبى أن يندمل.

تعلمنا هذة الرواية ضرورة المخاطرة في بعض الأحيان و عدم الإستسلام للظروف المظلمة رغم الإنهاك النفسي و الجسدي الذي يصيبنا أحيانًا كما أصاب البطل و حتى لو كان المستقبل مجهول، فماذا لو كانت هناك جنة على الأرض بإنتظارنا؟!

صدرت النسخة الأصلية من الكتاب عام 1925 باللغة الإنجليزية و تمت ترجمتها للغة العربية عام 2022 من قِبل مؤسسة هنداوي و من ترجمة دينا عادل غراب و هي متاحة للتحميل عبر موقعهم على الإنترنت.

مما لا شك فيه أن أسلوب الكاتبة يميل لوصف الطبيعة في كلا الروايتين بشكل جذاب يثير الخيال و يغذي الروح و يجعلك تشعر بأنك سافرت إلى حديقة سحرية تملؤها الفراشات في رواية و النحل في رواية أخرى. و لكن أيًا ما كان فإن (جين ستراتورن بورتر) أصبحت من الكُتاب الأجانب المفضلين عندي و لا يمكنني الإنتظار لكتابة مراجعة جديدة لرواية جديدة لها أو ربما مراجعة لكتاب من كتب الطبيعة التي تعشقها كما أعشقها و تراها كما أراها!
كل ما أعرفه الآن أن هذه الكاتبة إذا كانت من نفس جيلي و مازالت على قيد الحياة لأصبحنا أفضل صديقتين.. بلا شك!

                                                                 Hala Signature