‏إظهار الرسائل ذات التسميات إسلاميات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إسلاميات. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 أغسطس 2026

لا تمشي على الماء.. امشِ إلى الله

أغسطس 29, 2026 0 Comments


 من أكثر الأسئلة التي يمكن أن يتوقف عندها بعض الذين يسعون للتطور الروحي هو: لماذا لا يرى جميع البشر الحقيقة؟ ولماذا يستطيع بعض الناس أن ينظروا إلى الحياة فيتجاوزوا ظاهرها إلى معانٍ أعمق، بينما يبقى آخرون أسرى لما تراه العين وما تدركه الحواس فقط؟

والحقيقة أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل الناس متساوين في العلم والإدراك والقدرة على التأمل، كما لم يجعلهم متساوين في الاستعداد النفسي والروحي لتلقي الحق ومعرفة الله حق المعرفة وإدراك حقيقة الكون.
فهناك من يمر بالحياة ولا يرى فيها إلا ما يقع تحت يده، وهناك من ينظر إلى الأشياء نفسها فيرى وراءها دلالات تقوده إلى خالقها.

وليس معنى ذلك أن الحقيقة حُجبت عن الناس، أو أن الله اختص بها فئة دون غيرها، وإنما
جعل الوصول إليها طريقًا يحتاج إلى طلب وسعي وتزكية وصبر.
 ولهذا قال سبحانه:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.

فالهداية هنا لم تأتِ في صورة معلومة سهلة في يد الإنسان، وإنما جاءت بعد المجاهدة. ذلك لأن الطريق إلى معرفة الله يحتاج إلى أن يعمل الإنسان على نفسه كما يعمل على عقله.

ولهذا قد يقرأ شخصان الآية نفسها، فيخرج أحدهما منها بمعلومة، بينما يخرج الآخر منها وقد تغير شيء في قلبه. وقد ينظر اثنان إلى السماء نفسها، فيراها أحدهما مجرد مساحة زرقاء، بينما يرى الآخر فيها أثرًا من آثار القدرة والإبداع.

قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

ولهذا أيضًا لم يجعل الله العلم مرتبة واحدة، فقال سبحانه:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.

وقال:

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.

فالبشر درجات في المعرفة، ودرجات في الفهم، ودرجات في البصيرة، وحتى أولئك الذين أدركوا الحقيقة أو ظنوا أنهم وصلوا إلى مرحلة عالية من التطور الروحي؛ يتفاجؤون بعد فترة أو موقف معين أنهم مازالوا في أول الطريق. فكلما ازداد الإنسان علمًا أدرك في الوقت نفسه اتساع ما يجهله.
وكيف لا وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قصة النبي موسى والخضر. لقد آتى الله الخضر علمًا لم يؤته موسى عليه السلام في ذلك الباب، مع أن موسى كان نبيًا من أنبياء الله.
وحاشا لله أن نذكر أن أحدهم أفضل من الآخر، فقد جعل الله لكل فرد رسالة في الدنيا ليتمها وليكمل كل منا الآخر بمعرفته وما أتاه الله من فضل.

لكن هنا ينبغي أن نتوقف عند تصور شائع عن الوصول إلى الحقيقة، وهو مفهوم شائع خصوصًا بين الشباب الذين يسعون للمعرفة الباطنية. هذا التصور هو أن الإنسان كلما اقترب من الحقيقة الإلهية ظهرت عليه أمور خارقة للعادة، فيستطيع أن يعرف الغيب، أو يمشي على الماء، أو تأتيه خوارق تجعله مختلفًا عن سائر البشر.

وقد وقعت الكرامات لأولياء الله، ولا ينكرها من حيث الأصل من يثبتها الكتاب والسنة، لكن يجب الإشارة إلى أن الكرامة ليست هي الغاية، وليست مقياس القرب من الله.

فالإنسان قد يكون أقرب إلى الله وهو لا يملك شيئًا من ذلك، وقد تكون أعظم كرامة له أن يظل ثابتًا على الحق حين لا يراه أحد، وأن يترك معصية يستطيع الوصول إليها ولا يمنعه منها إلا خوف الله. وقد يكون بين الناس من لا يلفت النظر بمظهره ولا يملك شيئًا من مظاهر الشهرة، لكنه عند الله أرفع وأصدق ممن يملأون الدنيا حديثًا عن أنفسهم.

إن المشكلة تبدأ حين يتحول الإنسان من البحث عن الله إلى البحث عن الأشياء الغريبة التي قد تصاحب الطريق.

فيصبح السؤال: هل يستطيع أن يمشي على الماء؟

بدل أن يكون السؤال: هل استطاع أن يمشي في الطريق إلى الله؟

هل يستطيع أن يخبر بما سيحدث غدًا؟

بدل أن نسأل: هل استطاع أن يعرف عيوب نفسه؟

هل يملك خارقة؟

بدل أن نسأل: هل تغير قلبه؟

فالإنسان قد ينشغل بالعلامة وينسى صاحب العلامة، وينشغل بالكرامة وينسى رب الكرامة.

والأغرب أن خوارق الأمور ليست كلها دليلًا على الولاية أصلًا. فوجود أمر غير معتاد لا يعني تلقائيًا أن صاحبه من أولياء الله؛ إذ قد تكون بعض الخوارق من السحر أو من أعمال الشياطين، وقد يلتبس الأمر على الإنسان إذا جعل الخارق وحده معيارًا للحقيقة.

ولهذا لا ينبغي أن يكون هدف السالك إلى الله أن يبحث عن القدرة على خرق العادة، وإنما أن يبحث عن القدرة على خرق عاداته هو؛ أن يتغلب على شهوته حين تدعوه، وعلى غضبه حين يستفزه، وعلى كبره حين يشعر أنه أفضل من غيره، وعلى خوفه حين يكون الحق أثقل من أن يُقال.

فما قيمة أن يمشي الإنسان فوق الماء إذا كان عاجزًا عن السير بعيدًا عن الحرام؟

وما قيمة أن يرى شيئًا لا يراه غيره إذا كان لا يرى عيوب نفسه؟

وما قيمة أن يمتلك قدرة خارقة إذا كان قلبه لم يتطهر من حب الظهور والسلطة والغرور؟

إن الطريق إلى الله ليس مسابقة في الغرائب، لكنه رحلة طويلة من المعرفة والتزكية والعبادة والعمل.

وقد يكون من رحمة الله بالإنسان أن يحرمه بعض الأشياء التي يتمنى امتلاكها، لأنها لو جاءت إليه لأفسدت عليه الطريق. فليس كل ما يثير إعجاب الإنسان خيرًا له، وليس كل ما يبدو خارقًا دليلًا على رفعة صاحبه.

والله سبحانه وتعالى قادر على أن يهب بعض عباده من الكرامات ما يشاء، ولكن الكرامة في النهاية هبة وليست منزلة يسعى الإنسان إليها لذاتها.

أما الغاية الكبرى فهي أن يعرف الإنسان ربه.

أن يرى آثار رحمته في النعم، وآثار حكمته في المنع، وآثار قدرته في الكون، وأن يتعلم كيف ينتقل من رؤية الأشياء إلى معرفة من أوجد الأشياء.
وقد أورد عنايت خان وهو أحد الحكماء في كتابه كيمياء السعادة أنه
ذات مرة ذهب رجل إلى حكيم صيني وقال له:
أريد أن أتعلم القوانين الخفية. هل ستعلمني؟
 فقال الحكيم: لقد جئت لتطلب مني أن أعلمك شيئًا، ولكن لدينا الكثير من المبشرين في الصين الذين يأتون ليعلمونا.
 فقال الرجل: نحن نعرف عن الله، لكنني جئت إليك لأسألك عن القوانين الخفية.
فقال الحكيم: إذا كنت تعرف عن الله فأنت لا تحتاج إلى معرفة أي شيء آخر. الله هو كل ما يجب معرفته. إذا كنت تعرفه فأنت تعرف كل شيء
.

ولهذا ربما كان أعظم ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس أن يرى ما لا يراه الآخرون، لكن أن يرى بعين البصيرة آثار عظمة الله وجلاله في كل شيء حوله.

فالحقيقة ليست بالضرورة خلف ستار لا يستطيع أحد الوصول إليه، وربما كانت أمام الإنسان طوال الوقت، لكنه كان يحتاج إلى أن يتغير هو حتى يستطيع أن يراها.

ولعل هذا هو معنى البصيرة التي لا تمنحها كثرة المعلومات وحدها؛ فهناك فرق بين أن تعرف عن الله وأن تعرف الله، وبين أن تجمع المعلومات عن الطريق وأن تسير فيه.

وفي النهاية، ليس المهم كم رأينا من العجائب، ولا كم امتلكنا من القدرات، ولا كم اختلفنا عن الآخرين.

المهم هو: إلى أين قادنا كل ذلك؟

فإن قادتنا المعرفة إلى التواضع، وقادتنا العبادة إلى الرحمة، وقادتنا التجربة إلى اليقين، وقادتنا الحياة كلها إلى الله، فقد أصبنا من الحقيقة شيئًا.

أما إذا جعلتنا المعرفة نرى أنفسنا فوق الناس، وجعلتنا الخوارق نطلب الشهرة، وجعلتنا الأسرار المزعومة نحتقر من لم يصل إليها، فربما كنا قد انشغلنا بالطريق حتى نسينا وجهته.

فليست أعظم كرامة أن ترى ما لا يراه الناس، وإنما أن ترى الله في كل ما يراه الناس، ثم تمضي في حياتك عبدًا له لا طالبًا لأن يراك الناس مختلفًا عنهم.

 




With love

Hala Signature

الأحد، 23 أغسطس 2026

عن الحرب والسلام

أغسطس 23, 2026 0 Comments


لقد دعى الكثير من الشخصيات العالمية على مر العصور إلى السلام، بدءًا من الشخصيات التاريخية البارزة مثل غاندي ومانديلا وصولًا إلى المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي في عصرنا الحالي.

ولكن العقيدة وتجارب الحياة علمتنا أن ليس كل خلاف يحتاج إلى معركة، كما أن كل معركة لا يمكن حلها بالسلام. وبين الطرفين مساحة واسعة يحتاج الإنسان أن يتعلم فيها متى يتراجع، ومتى يثبت، ومتى يعفو، ومتى يدفع الظلم.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن السلام هو الحالة التي ينبغي للإنسان أن يختارها دائمًا، وأن القوة لا تُستخدم إلا حين يفشل كل شيء آخر بما أن الدعاة إلى ذلك كانوا شخصيات مؤثرة بحق ولهم تاريخ حافل بتقديم المساعدات الإنسانية. وهذا صحيح من جهة أن الأصل هو حقن الدماء، وإقامة العدل، وإعمار الأرض، لكن القرآن يلفت نظرنا إلى حقيقة أخرى أكثر عمقًا؛ وهي أن ترك القوة تمامًا قد لا يؤدي إلى السلام، لكنه على العكس قد يترك الأرض لمن يملك القوة ولا يتورع عن استخدامها في الظلم.

ولذلك يقول الله تعالى في سورة البقرة:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.

والآية نفسها تتكرر في سورة الحج في سياق آخر:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.

ومن اللافت للنظر أن القرآن لم يقل: "ولولا حرب الله الناس بعضهم ببعض"، وإنما قال:
 ﴿دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾.
 والدفع أوسع من الحرب؛ فقد يكون بالكلمة، وبالحجة، وبالقانون، وبالسلطة التي تمنع الظالم، وبالضغط على الخصم في أمور معينة، وقد يصل إلى القوة حين تصبح القوة هي الوسيلة اللازمة لمنع الظلم والعدوان.

فالإنسان لا يعيش في عالم لا يوجد فيه إلا المسالمون. وفي كل مجتمع قد يوجد من يظلم إذا أُعطي القدرة، وإذا لم يجد المعتدي من يردعه، ومن يحاول أن يجعل قوته فوق القانون والحق. وإذا قرر الجميع أن يتركوا المواجهة مهما حدث، فلن تختفي القوة من العالم، وإنما ستبقى في يد الطرف الذي لا يخشى استخدامها.

ولهذا كان من الخطأ أن نتصور أن السلام يعني دائمًا عدم المواجهة. فقد يكون الصمت أمام الظلم سلامًا في ظاهره، لكنه قد يكون في حقيقته مشاركة في إطالة الظلم.

وفي سورة البقرة يأتي هذا المعنى في قصة طالوت وجالوت؛ فقد كان بنو إسرائيل أمام قوة طاغية يقودها جالوت، ولم يكن المطلوب منهم أن يستسلموا حفاظًا على حياتهم، بل خاضوا المعركة، وانتصروا بإذن الله، وكان داود عليه السلام هو الذي قتل جالوت.

ثم يأتي التعقيب القرآني:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.

فالقوة هنا لم تكن غاية، ولم يكن الانتصار لمجرد الانتصار، وإنما كان دفعًا لقوة أخرى لو تُركت دون مقاومة لأفسدت الأرض.

وفي سورة الحج يصبح المعنى أوسع؛ فالدفع لم يكن لحماية فئة واحدة فقط، وإنما لحماية أماكن العبادة المختلفة:

﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾.

وكأن القرآن يلفت نظر الإنسان إلى أن دفع الظلم ليس دفاعًا عن أنفسنا فقط، وإنما قد يكون دفاعًا عن حق الآخرين في أن يعيشوا ويعبدوا الله دون أن تهدمهم قوة المعتدي.

وهنا نكتشف أن المشكلة ليست في الحرب وحدها، وإنما في فقدان الميزان.

فالذي يرى أن القوة هي الحل لكل شيء قد يتحول من مدافع عن الحق إلى معتدٍ باسم الحق، والذي يرى أن السلام هو الحل في كل شيء قد يتحول من محب للسلام إلى شخص يسمح للظلم أن يستمر باسم السلام.

والحكمة ليست في اختيار أحدهما دائمًا، وإنما في معرفة أي موقف يحتاج إلى أي منهما.

وهذا الميزان لا يخص الحروب وحدها، بل يدخل في تفاصيل حياة الإنسان كلها.

فقد تحتاج أن كإنسان على المستوى الشخصي في موقف معين إلى العفو، وفي موقف آخر إلى وضع حدود واضحة. وقد يكون الصمت حكمة في وقت، بينما يصبح الكلام واجبًا في وقت آخر. وقد يكون التراجع عن الجدال انتصارًا للنفس، بينما يكون التراجع عن الحق هزيمة لها.

حتى في تربية الأبناء، لا يمكن أن يكون اللين وحده كافيًا، ولا الشدة وحدها صالحة. وفي العلاقات، قد يكون التسامح فضيلة، لكنه يتحول إلى ظلم للنفس إذا أصبح قبولًا دائمًا للأذى. وفي المجتمع، قد يكون الحوار هو الطريق الأفضل، لكن الحوار نفسه يفقد معناه إذا كان أحد الأطراف يستخدمه فقط لكسب الوقت بينما يستمر في الظلم.

ولهذا فإن القوة في المفهوم الصحيح ليست عكس الرحمة، كما أن السلام ليس عكس القوة.

قد تكون القوة هي التي تحمي السلام.

وقد يكون العفو هو الذي يمنع حربًا.

وقد تكون كلمة صادقة في الوقت المناسب أقوى من معركة طويلة.

المهم ألا تتحول الوسيلة إلى غاية، وألا ينسى الإنسان لماذا استخدمها في البداية فيبدأ بإراقة الدماء دون داعي أو بالخنوع والاستسلام للظلم دون مقاومة.

فالذي يقاتل من أجل أن ينتصر فقط قد ينسى الحق الذي بدأ القتال من أجله، والذي يسالم من أجل أن يتجنب الألم فقط قد ينسى المظلوم الذي كان يحتاج إلى أن يقف إلى جواره.

ولعل أعظم ما نتعلمه من قوله تعالى:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾

أن بقاء الخير في الأرض لا يعني غياب الشر، وإنما يعني ألا يُترك الشر بلا دفع.

فليس المطلوب من الإنسان أن يكون محاربًا دائمًا، ولا أن يكون مسالمًا دائمًا، وإنما أن يكون عادلًا دائمًا. فإذا كان السلام يحفظ الحق، فليكن السلام. وإذا كان العفو يصلح، فليكن العفو.

وإذا كان الحوار يرد الظلم، فليكن الحوار.

أما إذا أصبح السلام مجرد اسم آخر للاستسلام، وأصبح الصمت طريقًا لاستمرار العدوان، فقد يكون الدفع هو الطريق الوحيد حتى يعود السلام إلى معناه الحقيقي.

لأن السلام الذي يُبنى فوق الظلم ليس سلامًا كاملًا، والقوة التي تنفصل عن العدل ليست قوة حقيقية.

وبينهما يبقى الإنسان محتاجًا إلى شيء أصعب من اختيار الحرب أو السلام وهو أن يعرف متى يختار كل واحد منهما.

 

 


With love

Hala Signature

الأربعاء، 8 يوليو 2026

السورة التي بدأت من البيت البسيط

يوليو 08, 2026 0 Comments

إذا أراد الإنسان أن يتعرف على أولويات القرآن في بناء المجتمع، فقد يتوقع أن يبدأ بالحديث عن الدولة، أو الاقتصاد، أو القضاء، أو الجهاد، أو سائر القضايا الكبرى التي تقوم عليها الأمم. لكن المتأمل في كتاب الله يكتشف حقيقة مختلفة؛ فكل إصلاح عظيم يبدأ من موضع أصغر بكثير: من بيت، ومن أب يجلس مع ابنه.

ومن أعجب ما يدعو إلى التأمل أن الله سبحانه وتعالى قد خلد هذا المشهد الأسري في سورة كاملة تحمل اسم رجل لم يكن نبيًا عند جمهور العلماء، لكنه ذلك الرجل الذي آتاه الله الحكمة، فاستحق أن يذكر اسمه في القرآن إلى قيام الساعة. فلم يخلد القرآن ماله، ولا مهنته، ولا نسبه، ولا عدد أولاده، ولا شيئًا من تفاصيل حياته، وإنما خلد حوارًا دار بين أب وابنه.

وهنا يبرز سؤال يستحق أن نتوقف عنده طويلًا: لماذا حفظ القرآن كلمات لقمان، ولم يحفظ أشياء كثيرة كان يمكن أن تبدو في نظر الناس أعظم شأنًا؟

لعل الجواب يكمن في أن الأمم لا تبدأ من القصور، وإنما تبدأ من البيوت. وأن انهيار الحضارات لا يبدأ من سقوط الجيوش، وإنما من انهيار التربية. فحين أراد القرآن أن يقدم نموذجًا خالدًا في صناعة الإنسان، لم يختر ملكًا يوصي وريث عرشه كيف يحكم البلاد، ولم يختر قائدًا يلقن ابنه فنون الحرب، بل اختار أبًا يجلس إلى جوار ابنه، يحدثه عن الله.

ولعل الأشد إثارة للتأمل أن أول ما خرج من فم لقمان لم يكن حديثًا عن النجاح، ولا عن الرزق، ولا عن المكانة بين الناس، ولا عن طلب العلم بمعناه الواسع، وإنما قال:

﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.

وكأن القرآن يريد أن يعيد ترتيب الأولويات التي كثيرًا ما يختل ميزانها في كل عصر. فالناس ينشغلون بما سيصبح عليه الأبناء من أطباء أو مهندسين أو أصحاب مناصب، بينما كان أول ما شغل قلب لقمان هو: ماذا سيكون بين ابنه وبين الله؟

إن هذه البداية ليست مجرد وصية دينية، بل إعلان عن قاعدة تربوية كبرى؛ وهي أن العقيدة ليست فرعًا من فروع التربية، بل هي الجذر الذي تتفرع منه بقية الفروع. فإذا استقام الجذر، أمكن للأغصان أن تنمو مستقيمة، وإذا فسد الأصل، لم يغنِ جمال الأغصان عن ضعف الشجرة.

ولو تأملنا واقعنا اليوم لوجدنا أننا نعيش زمنًا لم يعد الأبوان فيه وحدهما من يربيان أبناءهما. لقد كان الطفل في الماضي يتلقى معظم أفكاره داخل البيت، ثم من معلمه، ثم من مجتمعه القريب. أما اليوم فقد أصبح يحمل في جيبه نافذة مفتوحة على العالم كله، يدخل منها في يوم واحد إلى آلاف العقول والآراء والتصورات، دون أن يستأذن أحد.

لقد فقدت الأسرة احتكارها للتربية، لكنها لم ولن تفقد مسؤوليتها عنها.

وهنا تكمن المفارقة التي ربما لم يشهد التاريخ مثلها من قبل؛ فكلما ازدادت الجهات التي تخاطب عقول الأبناء، ازدادت حاجة الأسرة إلى أن تكون أوضح صوتًا، لا أعلى صوتًا. فالمعركة لم تعد معركة منع، لأن المنع لم يعد ممكنًا، وإنما أصبحت معركة بناء. بناء عقل يعرف كيف يميز، وقلب يعرف كيف يثبت، وإيمان يستطيع أن يصمد إذا اختلطت الأصوات وتشابكت الطرق.

ولذلك لم يبدأ لقمان وصيته بتحذير ابنه من الناس، لكنه بدأ بتعريفه بالله. لأن من عرف ربه، استطاع أن ينظر إلى كل فكرة بعد ذلك بميزان، لا أن يبتلعها كما هي. ومن امتلأ قلبه بالإيمان، لم يعد كل صوت جديد قادرًا على اقتلاعه من جذوره.

ولعل هذا هو ما يجعل وصية لقمان أكثر حضورًا في زماننا من أي وقت مضى؛ فنحن نعيش أزمة ترتيب الأولويات. وأصبحت المشكلة أن أبناءنا يجدون من يعلمهم كل شيء... إلا الثبات إذا جاءت الفتنة.

ولو أكملنا قراءة وصايا لقمان، سنجد أنه بعد تأسيس العقيدة في قلب ابنه، بدأ بعد ذلك يبني هذا القلب طبقة بعد أخرى. فتحدث عن مراقبة الله تعالى، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ...﴾، ثم أوصاه بالصلاة، ثم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بالصبر، ثم بالأخلاق، ثم بالتواضع، ثم بطريقة المشي، وحتى بطريقة الكلام.

ولعل المتأمل في هذا الترتيب يكتشف أن لقمان كان يبني إنسانًا كاملًا. فلم يبدأ بالمعلومات، وإنما بدأ بالإيمان، ثم انتقل إلى العبادة، ثم إلى الأخلاق، ثم إلى السلوك اليومي. وكأن القرآن يريد أن يقول إن التربية ليست أن يعرف الإنسان كثيرًا، وإنما أن يستقيم كثيرًا.

وهنا تظهر المفارقة بين التربية التي يقدمها القرآن، والتربية التي يفرضها العصر.

ففي زمن أصبحت فيه قيمة الإنسان تُقاس بما يعرفه من مهارات، وعدد اللغات التي يتحدث بها، والبرامج التي يجيد استخدامها، والشهادات التي يحملها، يكاد السؤال الأهم يغيب عن كثير من البيوت: ماذا عن قلب هذا الطفل؟ ماذا عن يقينه؟ ماذا عن علاقته بربه إذا جلس وحده؟ ماذا عن ضميره إذا غاب الرقيب؟ وماذا عن ثباته إذا وجد نفسه يومًا أمام فكرة تهز كل ما تربى عليه؟

لقد أصبح كثير من الآباء والأمهات يبذلون سنوات طويلة في تعليم أبنائهم كيف ينجحون في الحياة، لكنهم لا يبذلون القدر نفسه في تعليمهم لماذا يعيشون أصلًا.

ولعل هذه هي الأزمة الحقيقية.

فالقرآن حين سجل وصايا لقمان لم يذكر أنه أوصى ابنه بأن يكون غنيًا، أو مشهورًا، أو صاحب جاه، أو متفوقًا على أقرانه، مع أن هذه الأمور ليست مذمومة في ذاتها، لكنها لم تكن هي الأولوية.

وكان لقمان يعلم أن الإنسان إذا عرف ربه، استطاع بعد ذلك أن يحسن التعامل مع الدنيا، أما إذا ملك الدنيا كلها وهو يجهل ربه، فلن يعرف كيف يستخدم ما بين يديه.

ولهذا لا ينبغي للأسرة أن تنشغل بتعليم أبنائها كل شيء، ثم تؤجل الحديث عن الله إلى أن يكبروا. لأن القلب لا يبقى فارغًا طويلًا؛ فإن لم تملأه الأسرة بالإيمان، ملأه غيرها بما يشاء.

وهذه الحقيقة ربما كانت أخف أثرًا في الأزمنة الماضية، أما اليوم فقد أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

لقد كان الطفل قديمًا إذا خرج من بيته، خرج إلى مجتمع يشبه بيته في كثير من القيم، وكانت مصادر المعرفة محدودة، وكان انتقال الأفكار يحتاج إلى زمن. أما اليوم فقد أصبح الطفل يعيش في غرفة واحدة، بينما يعيش معه العالم كله.

إن الهاتف الذي يمسكه الصغير بين يديه أصبح نافذة يدخل منها آلاف الأشخاص إلى عقله وقلبه. بعضهم يدعوه إلى الخير، وبعضهم يشككه في دينه، وبعضهم يزين له المعصية، وبعضهم يسخر من القيم، وبعضهم يقدم الانحراف في صورة التقدم، وبعضهم يلبس الباطل ثوب الرحمة أو الحرية أو العلم.

وهنا تكمن خطورة عصرنا؛ فلم تعد الفتنة تأتي الإنسان بعد رحلة طويلة، بل أصبحت تبحث عنه حيث يجلس.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل أسرة على نفسها لم يعد: ماذا يشاهد أبناؤنا؟ بل أصبح: بأي ميزان يشاهدون؟ فما دام من المستحيل أن نمنع عنهم كل ما في العالم، فإن الأهم من ذلك أن نغرس في داخلهم البوصلة التي تميز بين الحق والباطل، وبين النور والزيف، وبين العلم النافع والكلمة المسمومة.

إن الطفل الذي يعرف ربه جيدًا قد تعصف به الشبهات، لكنه يجد في داخله ما يعيده إلى الطريق. أما الذي لم يبني قلبه على يقين، فقد تكفيه شبهة واحدة ليبدأ في هدم ما لم يُبنَ أصلًا.

فالمعركة الحقيقية ليست مع الشبهة ولا مع الشهوة، بل مع القلب الذي يستقبلهما.
ولعل من أعظم الأخطاء التربوية في زماننا أن كثيرًا من الأسر أصبحت تظن أن كثرة المعلومات تعني كثرة الوعي، وأن امتلاء عقل الابن بالمعارف يكفي لحمايته من الانحراف. لكن الحقيقة أن الإنسان قد يكون واسع الثقافة، سريع الفهم، متقنًا لعدة لغات، ومع ذلك ينهزم أمام شبهة واحدة إذا لم يكن قلبه قد تربى على اليقين.

ولهذا لم يبدأ لقمان تعليم ابنه بكثرة العلوم، وإنما بدأ ببناء الميزان الذي سيزن به كل علم بعد ذلك. لأن المشكلة ليست في كثرة ما يسمعه الإنسان، وإنما في غياب المعيار الذي يميز به بين الحق والباطل.

وليس المقصود بهذا التقليل من شأن العلوم الدنيوية، فالإسلام لم يعرف يومًا صراعًا بين الدين والعلم، بل كانت حضارته شاهدًا على أن الوحي الصحيح والعقل السليم لا يتعارضان. وقد نبغ علماء المسلمين في الطب والهندسة والفلك والرياضيات وغيرها من العلوم التي انتفع بها الناس قرونًا طويلة، وكان كثير منهم يرون أن اكتشاف سنن الله في الكون صورة من صور التفكر في خلقه.

لكن الفرق كبير بين علم يعين الإنسان على عمارة الأرض وهو متعلق برب السماء، وبين علم يورث صاحبه الكبر، أو يقطع صلته بخالقه، أو يجعله يظن أن المعرفة تغنيه عن الهداية. فالعلم في الإسلام ليس غاية مستقلة، وإنما هو وسيلة، والوسائل لا تستقيم إذا ضاع المقصد.

ولهذا فإن من أعظم ما يمكن أن تقدمه الأسرة لأبنائها ليس أن تجعلهم يعرفون كل شيء، بل أن تعلمهم كيف يزنون كل شيء. فليس كل ما يلمع حقيقة، وليس كل ما ينتشر صوابًا، وليس كل ما يقال باسم الحرية رحمة، ولا كل ما يقال باسم التقدم خيرًا للإنسان.

ولعلنا إذا تأملنا الأحاديث النبوية التي تحدثت عن آخر الزمان وجدنا أن أعظم فتنة أخبر بها النبي ﷺ لم تكن فتنة فقر، ولا فتنة مرض، ولا فتنة هزيمة عسكرية، وإنما كانت فتنة الدجال. ولم يكن سر خطورتها فيما يملكه من قوة فحسب، بل فيما يحدثه من اضطراب في إدراك الناس، حتى يختلط على كثير منهم الحق بالباطل، وتلتبس الحقيقة بالخداع وهو ما يفعله الآن قبل ظهوره للعلن، فيتبعه من لم يرسخ الإيمان في قلبه.

وكأن أول وصية سجلها القرآن على لسان لقمان، وآخر فتنة حذر منها رسول الله ﷺ، تلتقيان عند معنى واحد: حماية القلب قبل كل شيء.

ولهذا فإن الأسرة التي تكتفي بأن تقول لابنها: (هذا حلال، وهذا حرام)، ثم لا تبني داخله محبة الله وتعظيمه، قد تنجح في ضبط سلوكه فترة من الزمن، لكنها لا تضمن ثباته إذا غاب عنها. أما إذا عرف الابن ربه حق المعرفة، وأحب دينه عن اقتناع، وتذوق حلاوة الإيمان، فإن كثيرًا من الفتن ستنكسر قبل أن تصل إلى قلبه.

لقد كان لقمان يجلس مع ابنه في بيت بسيط، لا يملك وسائل الإعلام، ولا شبكات التواصل، ولا آلاف الكتب، ومع ذلك خرجت من ذلك البيت وصايا رآها الله جديرة بأن تتلى إلى يوم القيامة.

إن أبناءنا سيخرجون غدًا إلى جامعات لا نرافقهم إليها، وإلى أعمال لا نستطيع أن نراقبهم فيها، وسيجلسون أمام شاشات لن نرى كل ما تعرضه عليهم، وسيسمعون أفكارًا لم تخطر على بال آبائهم وأجدادهم. ولن يبقى معهم بعد توفيق الله إلا ما استقر في قلوبهم وهم صغار، وما تعلموه في بيوتهم قبل أن يعلمهم العالم.


With love

Hala Signature

الأربعاء، 17 يونيو 2026

الصورة النمطية للابتلاء

يونيو 17, 2026 0 Comments


لقد غير الابتلاء الصورة النمطية للألم والسعادة. فليس كل ما يؤلم الإنسان عقوبة، كما أن كل ما يفرحه ليس بالضرورة مكافأة. فالإنسان كثيرًا ما ينظر إلى ما يحدث له من خلال اللحظة التي يعيشها هو، فيظن أن المصيبة دليل على غضب الله، وأن النعمة دليل على رضاه ومحبته له، بينما يخبرنا القرآن أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.

فقد قال الله تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾.

وتتوقف العين عادة عند كلمة الشر، لكنها قد لا تنتبه إلى أن الله سبحانه وتعالى جعل الخير نفسه ابتلاء. فمن الواضح أن المرض امتحان، لكن الصحة امتحان أيضًا. والفقر امتحان، لكن الغنى امتحان آخر. وفقد الإنسان لمن يحب ابتلاء، وامتلاكه لما يحب ابتلاء كذلك. والمهم هنا ليس وجود الاختبار في حد ذاته، ولكن السؤال الذي يحمله كل اختبار إلى صاحبه والنتيجة المترتبة على ذلك الاختبار.

ولهذا فإن المصيبة التي تنزل بالمؤمن لا تعني بالضرورة أن الله يعاقبه أو لا يحبه، كما أن المصيبة التي تنزل بغير المؤمن لا تعني بالضرورة أنها دليل على أنه أسوأ من غيره. فالابتلاء من سنن الحياة التي يشترك فيها الناس جميعًا، وإنما تختلف آثارها ومعانيها بحسب القلوب التي تستقبلها وردود الفعل تجاهها.

ولعل من أكثر التصورات ظلمًا للإنسان أن ننظر إلى مصيبته وكأنها حكم نهائي على علاقته بالله. فإذا مرض شخص قال بعض الناس: لعلها عقوبة لك.
وإذا ضاقت عليه دنياه ظنوا أنه أبعد عن رحمة الله، بينما قد يكون هذا البلاء نفسه بابًا لمغفرة ذنب، أو رفعًا لدرجة، أو ردًا إلى الله، أو حماية من أمر لا يعلمه الإنسان.
ومن الحكم الرائعة لابن عطاء السكندري في هذا القول: رُب معصية أورثت ذُلًا وانكسارًا، خيرٌ من طاعة أورثت عِزًا واستكبارًا.

وقد يكون البلاء عقوبة بالفعل في بعض الأحوال، ولذلك لا يصح أن نقول إن كل مصيبة رحمة بالضرورة. لكن الخطأ هو أن نجعل كل مصيبة عقوبة، أو أن ندعي معرفة الحكمة الإلهية في كل حادثة. فالله سبحانه وتعالى أعلم بعباده، وأعلم بما يصلحهم، وقد يرى الإنسان في الحادثة شرًا محضًا، بينما تكون وراءها من الحكم ما لا يستطيع أن يراه في لحظتها.

ولذلك كان الأنبياء عليهم السلام من أعظم الناس بلاءً، وقد قال النبي ﷺ
(أشد الناس بلاءًا الأنبياء).

ولو كان مجرد نزول البلاء دليلًا على غضب الله، لكان الأنبياء أبعد الناس عنه. لكن حياتهم كانت مليئة بالاختبارات؛ فهذا أيوب عليه السلام ابتُلي في جسده، وهذا يعقوب عليه السلام ذاق ألم الفقد حتى ابيضت عيناه من الحزن، وهذا يوسف عليه السلام انتقل من بيت أبيه إلى البئر، ومن الرق إلى السجن، ثم إلى التمكين. حتى أن حب الناس له على مدار سنوات عمره أورثه الابتلاء. وهذا موسى عليه السلام، خرج خائفًا يترقب، وطاردته جيوش فرعون، ثم وقف البحر أمامه والعدو خلفه، حتى جاء الفرج من حيث لم يكن يملك له سببًا ظاهرًا.

وهذا عيسى ابن مريم عليه السلام، نشأ منذ مولده في موضع ابتلاء، وحمل قومه عليه ما حملوا من التكذيب والاتهام، ثم أرادوا قتله، فنجاه الله ورفعه إليه.

وهذا النبي محمد ﷺ عرف اليتم، وفقد الأحبة، والأذى، والحصار، والهجرة، والحرب.

وبالنظر إلى حياه الأنبياء الكرام العظام لم تكن هذه الآلام دليلًا على أن أصحابها كانوا أبعد عن الله، لكنها في الحقيقة كانت جزءًا من طريقهم إليه.

ومن هنا يمكن أن نفهم أن الابتلاء لا يخبرنا دائمًا بمكانة الإنسان عند الله، لكنه يكشف كثيرًا عن مكان الله في قلب الإنسان.

فالإنسان قد يبدو ثابتًا ما دامت الأمور تسير كما يريد، لكنه حين يفقد ما يحب، أو تتغير الحياة فجأة، أو تغلق الأبواب التي ظن أنها لن تغلق، يظهر ما كان مستقرًا في قلبه. ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي له... أيشكر أم يكفر؟

ولهذا قال الله تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.

وقد جاءت الآية الكريمة في إشارة واضحة إلى أن البشارة كانت لمن صبر على الألم.

والصبر هنا لا يعني أن الإنسان لا يحزن، ولا أن المؤمن لا يبكي، ولا أن عليه أن يتظاهر بالقوة طوال الوقت. فالأنبياء أنفسهم حزنوا وبكوا، ويعقوب عليه السلام قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.

إنما الصبر هو ألا يتحول الألم إلى جزع واعتراض على الله، وألا يتحول الحزن إلى يأس من رحمته، وألا تجعل المصيبة الإنسان ينسى أن وراء ما لا يفهمه حكمة يعلمها الله. والأمر نفسه ينطبق على النعم؛ فالإنسان قد يظن أن حصوله على ما يريد يعني أن الامتحان انتهى، بينما قد يكون قد بدأ للتو.

فالغني ممتحن في ماله: هل يشكر؟ وهل يعطي؟ وهل يستعلي بما عنده؟

والصحيح ممتحن في صحته: هل يستخدمها فيما ينفع؟ أم يهلك نفسه بالمحرمات؟

وصاحب العلم ممتحن في علمه: هل يجعله وسيلة لخدمة الناس أم وسيلة للتكبر عليهم؟

والوالدان ممتحنان في أبنائهما، وصاحب السلطة ممتحن في سلطته، ومن أُعطي قبولًا بين الناس ممتحن في هذا القبول.

وهنا تصبح الآية أكثر وضوحًا:

﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾.

فالنعمة التي نظن أنها مكافأة قد تكون سؤالًا، والمصيبة التي نظن أنها عقوبة قد تكون بابًا للفتوحات الربانية من الله للعبد.

وربما كان هذا هو السبب في أن الإنسان لا يستطيع دائمًا أن يعرف معنى ما يحدث له بمجرد النظر إليه. فقد يبكي على باب أُغلق في وجهه، ثم يكتشف بعد سنوات أنه كان بابًا لو فتحه لهلك. وقد يحزن على أمر فقده، ثم يعلم بعد زمن أن الله أنقذه من شيء لم يكن يراه.

وهذا لا يعني أن الإنسان مطالب بأن يحب الألم أو يبحث عنه، وإنما يعني أن عليه ألا يستعجل الحكم على أقدار الله. فنحن نرى الصفحة التي نعيشها، بينما الله يعلم الكتاب كله.

وقد لا نعرف لماذا حدث لنا شيء معين، وقد لا نحصل في الدنيا على إجابة كاملة عن كل سؤال يؤلمنا. لكن المؤمن يستطيع أن يعيش بين أمرين: أن يأخذ بالأسباب لرفع البلاء، وأن يثق بالله فيما لا يستطيع تغييره.

وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين المؤمن وغيره؛ ليس في أن المؤمن لا يُبتلى، وإنما في أن البلاء لا يكون بالنسبة إليه مجرد ألم بلا معنى.

قد يكسره، لكنه يعيده إلى الله.

وقد يمنعه من شيء كان يريده، فيعلمه الرضا.

وقد يجعله يشعر بضعفه، فيكتشف حاجته إلى ربه.

وقد يسلب منه شيئًا كان يظن أن حياته لا تستقيم بدونه، فيعلم أن الذي أبقاه حيًا هو الله، لا ما كان يملكه.

ولهذا فإن السؤال الأهم حين ينزل البلاء ليس دائمًا: لماذا حدث هذا لي؟

بل قد يكون السؤال الأعمق: ماذا يريد الله أن يعلمني من خلاله؟

فقد لا نستطيع أن نعرف سبب الألم، لكننا نستطيع أن نختار كيف نستجيب له.

وهكذا يتشابه الألم بين البشر، لكن تختلف رسالته في قلوبهم؛ فقد يخرج إنسان من البلاء ساخطًا، ويخرج آخر منه أقرب إلى الله، وقد يخسر اثنان الشيء نفسه، فيجد أحدهما في الفقد يأسًا، ويجد الآخر فيه بابًا جديدًا من الإيمان.

ولذلك ليس كل ابتلاء عقابًا، وليس كل نعمة تكريمًا، وليس كل تأخير حرمانًا، وليس كل فقد شرًا.

إنما نحن في هذه الدنيا في امتحان مستمر، مرة بورقة مكتوب عليها المنع، ومرة بورقة مكتوب عليها العطاء، ومرة بورقة لا نفهم ما كُتب فيها أصلًا.

ويبقى النجاح الحقيقي ليس في أن تمر الحياة بلا ابتلاء، فهذا ليس وعدًا لأحد، وإنما في أن يمر الإنسان بالابتلاء دون أن يفقد الله في الطريق.


With love

                                                                                                             Hala Signature

الأربعاء، 10 يونيو 2026

المُعلم الأول

يونيو 10, 2026 0 Comments

 


لم تكن مشكلة البشر يومًا أنهم لم يجدوا من يعلمهم، فالمعلمين الأكفاء موجودين منذ فجر التاريخ ولم نسمع حتى عن أكثرهم. لكن المشكلة الحقيقية التي ارتبطت بالإنسان في كل زمان ومكان أنه رسم في ذهنه صورة مُسبقة للمعلم ورفض كل من لا يشبهها.
لقد تصور التلاميذ والمُريدين فكرة أن العلم والحكمة لابد وأن يكون مصدرهم شيخ كبير السن أو عالِم أو حتى كتاب ضخم قديم يحوي أسرار الزمان وحقيقة الكون نفسه. لكن إذا تفكرنا في الأمر لوجدنا أن الدرس الأول بعد الخطأ جاء من غراب!
عندما قتل قابيل أخاه هابيل بدافع الغيرة والحقد والحسد، أصبح من النادمين. لكن الأمر لم ينتهي عند هذا الحد. لقد تفاجأ قابيل بأن عليه أن يدفن أخيه وهو لم يتعلم بعد كيف يفعل ذلك. فأرسل الله سبحانه وتعالى له الغراب ليعلمه كيف يواري سوءة أخيه. لكن عند النظر في الأمر سنجد أن المشكلة لم تكن في الجثة فقط لكن أن الله لم يرسل ملاك أو شخص حكيم أو مُعلم بالهيئة التي يعتقد الإنسان أنها الأفضل ليكون المُعلم له.
ومما يدعو إلى التفكر أكثر في رسالة الخالق عز وجل لقابيل أن هذا المُعلم لم ينطق بحرف ولم يُلقِ خطبة أو يكتب كتابًا، فقد كان تعليمه مبنيًا تمامًا على الفعل لا الكلام.

وللأسف لم يتوقف الأمر عند هذه الواقعة ليفهم الإنسان أن العلم قد يأتي في بعض الأحيان من شيء غير مُتوقع لكن ترفع الإنسان وغروره عن المُعلم الحق استمر بعد ذلك عند تتابع الأنبياء والرُسل عليهم وقد جاءت الأمثلة صريحة في القرآن في قوله تعالى:
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾
فقد اعترض كفار قريش على فكرة أن المُعلم الأعظم الذي جاء برسالة الرحمة من رب العالمين يمكن أن يكون واحدًا منهم بهذه البساطة. شخص يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وليس معه ملائكة مرئيين وليس له كنز أو بستان.
لقد كان الغراب اختبارًا من قبل على تواضع الإنسان المعرفي ومن بعده جاء الأنبياء وكانوا الاختبار نفسه ولكن على مستوى أكبر. وفي كل الأحوال لم يدرك عمق الرسالة إلا القليل.
لقد تعمدت الحكمة الإلهية كسر تصورات البشر عن الشكل الذي يجب أن تأتي به الحقيقة عندما كان موسى عليه السلام رضيعًا في صندوق وعندما كان يوسف عبدًا للبيع وعندما عاش أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتيمًا وقد تعرض للأذى من قومه. حتى أن اليهودية التي حاولت تسميمه قالت (إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك). وكأن الأنبياء ليسوا بشرًا يتألمون ويمرضون كما نمرض إلا أن رحمة الله تسبق الأقدار.
وعندما أراد الله أن تتجلى قدرته للبشر، جعل سليمان عليه السلام ملكًا له من المُلك ما لم يؤت أحدًا بعده. إذن فليس للمُعلم المُبلغ للرسالة أن يكون في وضع واحد دائمًا. وأن الكون كله يمكن أن يكون معلمًا إذا أراد الله ذلك.
فكم من نصيحة أو علم رفضناه اليوم لأننا لم نعجب بهيئة قائلها ولم ننتبه للعبرة من الدرس
نفسه
وكأننا لا زلنا نكرر نفس المشهد الأول في التاريخ ولكن بأقنعة مختلفة وأسماء جديدة. وفي كل زمان يعود السؤال نفسه بأشكال متعددة: هل الحقيقة تُقاس بمن يقولها أم بما تحمله من صدق؟ وهل الحكمة تفقد قيمتها إذا خرجت من فم بسيط أو يد غير متوقعة؟ أم أن المشكلة دائمًا في أعين من ينظر لا في عين ما يُقال؟ لقد كان الإنسان دائمًا يميل إلى تصديق الصورة قبل الفكرة، والشكل قبل المعنى، حتى أصبح معيار القبول عنده مرتبطًا بالمظهر أكثر من الجوهر. لذلك لم يكن غريبًا أن يرفض بعضهم دعوة الحق لأن حاملها لا يملك ما تخيلوه من
مظاهر القوة أو الثراء أو المكانة الاجتماعية.
 ولو تأملنا في سير كثير من الناس الذين غيروا التاريخ، سنجد أنهم في بداياتهم لم يكونوا من أصحاب الهيئات التي تُبهر الآخرين، ومع ذلك حملوا أفكارًا غيرت مسار أجيال كاملة.

 وهنا يظهر سؤال أعمق: كم من أبواب للوعي أُغلقت لأننا اشترطنا أن تأتي المعرفة في الصورة التي نرتاح لها مسبقًا؟

وفي الختام أود أن أختم بمقولة رائعة لشمس الدين التبريزي حيث قال: يوجد معلمون مزيّفون وأساتذة مزيفون في هذا العالم أكثر عدداً من النجوم في الكون المرئي. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعملون بدافع السلطة وبين المعلمين الحقيقيين. فالمُعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مطلقة...وإعجاباً تاماً منك، بل يساعدك على أن تُقدر نفسك الداخلية وتحترمها. إن المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلور، يعبر نور الله من خلالهم.




With love

                                                                                                     Hala Signature

الأربعاء، 20 مايو 2026

فلسفة ورق الجنة

مايو 20, 2026 0 Comments


إذا تحدثت مع إنسان في الفن الجميل، فغالبًا ما ستجد نفسك تحدثه عن الألوان و الأشكال و الخطوط. وإذا تحدثت معه عن المجتمع، فستجد اللغة تميل إلى الشريعة والدين والنظام. و إذا إنتقلت للحديث عن التاريخ، فستذكر الشعور والخبرة والأفراح والأحزان. أما إذا تحدثت عن الدنيا، فستذكر الشهوات والرغبات والأمنيات.
أما إذا تحدثت معه عن الملابس، فستتحدث عن الأشكال والألوان والشعور والخبرة والدين والشريعة وحتى الذاكرة الداخلية للإنسان مجتمعين. وكأن شعوره وخبرته وأعماق نفسه ظهرت للعيان ككتاب مفتوح على صفحة من الصوف أو الحرير أو القماش.


و إذا ما قارنت درجات القرب بين الشخص وملابسه وبين الشخص وصديقه، فستجد حتى أن الملابس أقرب للشخص من ذلك الخليل لأنها مرآه تعكس دواخل نفسه دون أن تكون لها هوى مستقل لأنها جماد مقارنة بشخص له شعور و خبرات و حياه مختلفة مستقلة.


إن كل إنسان يضع جزءًا من روحه في ملابسه،  يمكنك أن تخمن بشكل مبدأي طبيعة الشخص من ملابسه قبل أن تتحدث إليه فعليًا. فهناك من يعتنون عناية فائقة بملابسهم وبمظهرهم الخارجي أكثر من اللازم - سواء رجال أو نساء-، هؤلاء القوم يميلون إلى حساب خطوات حياتهم بدقة بالغة ولا يتركون مجالًا للصدفة ابدًا، وقد تزعجهم المفاجآت لأنها تكسر البنية التي اعتادوا عليها.

هناك بعض الناس تجدهم يبالغون في زخرفة الملابس والزينة ويختارون الألوان الفاقعة و يبتعدون عن القواعد العرفية للملابس المحافظة والتقليدية، وقد تجدهم يميلون إلى إزالة الفوارق بين الجنسين في الملابس حيث يرتدي النساء والرجال نفس الملابس بحجة المساواه مخالفين بذلك الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.

وهناك فئة قلما تجدها في مجتمعنا اليوم، هذه الفئة من الناس ترتدي عن قصد أبسط الملابس في الشكل والهيئة وتبتعد عن الزخرفة والزينة بشكل ملحوظ ومقصود، بل إن البعض قد يرى أنهم بحاجة إلى المزيد من الزينة حتى تكتمل هيئتهم و تُصبح مقبولة اجتماعيًا.

ومهما تنوعت أشكال وألوان الملابس، تظل فكرة أن الملابس تعبير عن المستوى الثقافي و الإجتماعي راسخة في العقول. لدرجة أن بعض الناس يمكنهم أن يقيموا مدى احترامهم للشخص بناءًا على شكله ومظهره. فمثلًا الشحاذ الذي يرتدي ملابس رقيقة متسخة، لن يقابله الناس بنفس الإحترام الذي يظهروه لشخص يرتدي بدلة مزخرفة ونظارة شمسية.


و هنا يأتي السؤال الهام هل كانت الملابس اختراع بشري أم وهم بشري؟

عندما أغوى الشيطان آدم و حواء في الجنة و أقنعهما أن يأكلا من الشجرة، ظهرت الحقيقة الأولى عن الجسد والوعي في آن واحد. ف
طفق يخصفان عليهما من ورق الجنة. فهذه اللحظة لم تكن مجرد اكتشاف للعري ولكن اكتشاف لمعنى الستر نفسه ونتيجة لهذا بدأوا بشكل فطري في استخدام هذا الورق للستر وليداورا عوراتهما كرد فعل فطري على انكشاف الوعي الجديد بالجسد.

فكما نرى منذ بداية خلق الإنسان أن للأخلاق صلة وثيقة تمامًا بالملابس التي يُقصد منها الستر في الأصل كجزء من البنية الأولى لتجربة الإنسان مع نفسه وإدراك الجسد، وغض البصر، وإدراك حدود العلاقة بين الداخل والخارج وليس تحديد المكانة الإجتماعية.


و قد أشار الفيلسوف الساخر أناتول فرانس في قصته (جزيرة البطريق) إلى حوارًا رمزيًا بين قديس و كاهن خبيث النفس يفكر بمنطق الشيطان. حيث يأبى القديس أن تظل الطيور عراه الأجسام بلا ملابس تسترها، فرد عليه الكاهن قائلا (ألا ترى أن الخير في أن تظل هذه الطيور عارية؟ إنهم إذا لبسوا تلك الثياب و قبلوا شريعة الأخلاق أصابهم الكبرياء و الجفاء و القسوة).
ومن هنا يظهر أن الشيطان—في المعنى الرمزي—لا يعمل على نزع الستر بشكل مباشر حتى لا يرفض الإنسان كلامه، لكنه يعمل بخبث على قلب معناه، بحيث يصبح ما وُجد للحماية وسيلة للفتنة، وما وُجد للطمأنينة وسيلة للاضطراب.

فمرت بهما أنثى بطريق بينما هم على الشاطئ، فأشار الكاهن الخبيث إليها وقال: أنظر إلى ضيق كتفيها وسمنة اعضائها وقصر ساقيها! أنظر إلى تلك العضلات .. إنها مجرد ألة صُنعت للمشي و ليست بالكائن الجميل الذي يسر الناظرين!
فإلتقطها الكاهن وبدأ بتلبيسها بعض الملابس والزينة، فما إن رآها ذكران الطير حتى بدأوا يتتبعوها وإلتفوا حولها في جموع كثيرة. فألتقطها القديس وأخذ يعدو بها إلى كهف قريب و قد علم أن الشيطان تلبس في هذا الكاهن الذي حاول إقناعه ليخلع فتنة اللباس عن الإناث.

عند تأمل هذه القصة تجد المفارقة الساخرة، فالأنثى بطبيعتها لم تجذب الأنظار حتى استخدمت أدوات الشيطان التي تبدو وكأنها صُنعت للستر ولكنها أصبحت وسيلة للجذب لا لستر المغريات وزجر الشهوات.
لقد تفنن الشيطان في العصر الحديث في إبعاد الناس لاسيما النساء عن معنى وفلسفة الستر. رغم أن تأمل الآيه الكريمة:
(
فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ) الأعراف 121
كفيلة بإظهار المقصد الحقيقي من الستر والاستحياء من الله أولا واستخدام الملابس للغرض الصحيح دون التفكير بها على أنها مجرد زينة.

فالستر في جوهره اعتراف بقدسية الجسد وحدوده في آن واحد.
ولذلك لم يكن الحجاب في التصور الإسلامي مجرد علامة خارجية، لكنه امتداد لفكرة أقدم من المجتمع نفسه. وحين ضاعت هذه الفكرة، صار اللباس لغة متعددة المعاني:

مرة يُقرأ كهوية، ومرة كزينة، ومرة كعلامة على المكانة الإجتماعية ومرة كتمرد للساعين لطمس الفطرة و إزالة الفروق بين النساء و الرجال .

لكن يبقى الأصل ثابتًا، لا يتغير، و هو أن الله حين علم الإنسان الستر في أول لحظة انكشاف كان يعلمه كيف يعيش وهو واعٍ بكرامته، وبحدوده، وبمسؤوليته أمام نفسه وأمام الله

Hala Signature

الأربعاء، 6 مايو 2026

وهم الإستحقاق

مايو 06, 2026 0 Comments



لقد نجحت العلوم الغربية الحديثة و التي يتنافى بعضها مع قواعد الإسلام و الإيمان بالله - نجحت في توجيه عقول الناس إلى بعض المصطلحات الجديدة و التي تزعم أنها جاءت بعد أبحاث عميقة في النفس البشرية. و من أهم و أشهر هذه المصطلحات مصطلح (الاستحقاق).
لقد تحول الاستحقاق إلى ما يشبه بثقافة غير مُعلنة بين الناس، و قد اسئ فهمه بشكل كبير حتى تحول إلى قيد ناعم يلتف حول القلب يمنعه من أبسط الأفعال الفطرية النقية للطبيعة الإنسانية و هي المبادرة.
صار الإنسان يخشى بالفعل أن يبدأ بالسلام أو المباردة في الصلح مع خصمه معتبرًا هذا ضعف أو تنازل عن حقه أو تقليل من استحقاقه و كأن الكرامة صارت تُقاس بالصمت و الغرور لا بصدق النية و السلوك الحسن.
و للأسف صار العديد من المشاهير الدارسين للفكر الغربي يتناقلون هذه الكلمة البراقة (الاستحقاق) و يرددون ما تعلموه  بدون وعي و من ناحية أخرى تجدهم يدعون أنهم الدعاه إلى الوعي في العصر الحديث!




With love

Hala Signature