الخميس، 1 أكتوبر 2026

من أنا حين لا يراني أحد؟

أكتوبر 01, 2026 0 Comments


من أنا حين لا يراني أحد؟
قد يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطًا، لكن كلما أطلنا التفكير فيه، بدا أقل بساطة وأكثر إرباكًا؛ ذلك لأنه يسأل عن الشخص الذي يبقى منا حين تختفي أعين الناس عنا.

تخيل أن تختفي كل تلك النظرات التي تحيط بنا.

لا أحد يعرف ماذا نرتدي. لا أحد يعرف أين سافرنا. لا أحد يرى بيوتنا، ولا يعرف المطاعم التي ذهبنا إليها، ولا ينتظر منا صورة جديدة نخبره من خلالها أين كنا، وماذا فعلنا، وكيف بدت حياتنا.

لو لم يكن هناك جمهور أصلًا، هل كنا سنختار الأشياء نفسها؟

هل كنا سنرتدي الملابس ذاتها؟

هل كنا سنسافر إلى الأماكن نفسها؟

هل كنا سنختار الألوان والأثاث بالطريقة نفسها؟

هل كنا سنذهب إلى المطاعم نفسها؟

وهل كانت بعض الأشياء ستظل مرغوبة بالنسبة إلينا، لو عرفنا أننا لن نستطيع إخبار أحد بأننا اخترناها؟

ربما تكشف إجاباتنا عن شيء أعمق بكثير، وهو:
 كم جزءًا من حياتنا نعيشه لأننا نريده فعلًا، وكم جزءًا نعيشه لأننا نريد أن يرانا الناس بطريقة معينة؟

إن الإنسان ليس كائنًا فرديًا بالكامل. نحن نتشكل، بدرجات مختلفة، داخل عيون الآخرين. نتعلم منهم، ونقتبس منهم، ونبحث بينهم عن الانتماء والقبول والأمان. ومنذ بداياتنا الأولى، نتعلم بطريقة أو بأخرى أن هناك أشياء تجعلنا مقبولين، وأشياء أخرى تجعلنا مختلفين.

وهذا في ذاته ليس أمرًا سلبيًا.

فالكثير مما نعرفه ونحبه ونمارسه جاءنا من الآخرين. مثلًا: اللغة نفسها نتعلمها منهم، والعادات، والمعارف، والذوق، وطرق التعبير، وحتى بعض أحلامنا الأولى. نحن لا نبني ذواتنا في فراغ، ولا يمكن للإنسان أن يعيش خارج المجتمع تمامًا.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي يصبح فيها المجتمع مرآة نقيس أنفسنا عليها طوال الوقت، وليس مجرد مصدر نتعلم منه ونتفاعل معه.

عندها لا نسأل فقط: ماذا أحب؟ بل نسأل، بصورة أكثر خفاءً:

ماذا سيجعلني محبوبًا؟

ماذا سيجعلني مقبولًا؟

ما الذي سيجعل حياتي تبدو ناجحة؟

كيف ينبغي أن أبدو حتى لا أشعر أنني أقل من الآخرين؟

وهنا يبدأ شيء دقيق في الحدوث. فالمجتمع لا يحتاج دائمًا إلى أن يأمرنا بما يجب أن نفعله. يكفي أن يجعل بعض الاختيارات تبدو طبيعية، وبعضها الآخر غريبًا. يكفي أن يكرر صورة معينة للحياة حتى تتحول، مع الوقت، من مجرد صورة إلى معيار.

تنزل موضة جديدة، فيرتديها الجميع، حتى من لا يحبها. يشتهر مكان معين، فيبدأ الناس في زيارته، ليس لأنهم كانوا يحلمون بالذهاب إليه، وإنما لأن عدم الذهاب إليه يجعلهم يشعرون بأنهم يفوّتون شيئًا. يصبح مطعم معين حديث الناس، فيذهب إليه الشخص حتى لو لم يكن الطعام قريبًا من ذوقه، فقط لأنه يريد أن يكون جزءًا من الحديث.

ويصبح للبيت الشكل الصحيح: ألوان معينة، أثاث معين، تفاصيل معينة معروف عنها بأنها راقية أو عصرية أو أنيقة. فيبدأ الإنسان في ترتيب المساحة التي يفترض أن تكون أكثر الأماكن تعبيرًا عنه، وفقًا لما يراه الآخرون جميلًا، حتى وإن لم يتناسب معه ما يفعله.

حتى السفر، الذي يفترض أنه أحد أكثر التجارب شخصية وحرية، يمكن أن يتحول أحيانًا إلى نوع من العرض الاجتماعي.

فلا يصبح السؤال: إلى أين أريد أن أذهب؟ لكن: إلى أين يذهب الناس؟

ولا يكون: ماذا أريد أن أرى؟ إنما: ما الصورة التي سألتقطها هناك؟

وهنا لا تتغير الرحلة فقط، بل يتغير معنى التجربة نفسها.

فبدلًا من أن نعيش اللحظة، نبدأ في مراقبتها من الخارج، كأننا لا نعيش حياتنا من داخلها، وإنما نقف بجانبها وننظر إليها بعين المتفرج، نتساءل كيف تبدو، وكيف ستُستقبل، وهل تستحق أن تُعرض.

ومع وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت هذه المسألة أكثر تعقيدًا. فأصبحنا نعيش وسط معرض لا ينتهي من الحيوات المنتقاة بعناية.

بيت مثالي، جسد مثالي، ملابس مثالية، سفر متكرر، طعام فاخر، وأيام مزيفة تبدو وكأنها لا تعرف الفوضى أو الملل أو الخيبة.

نحن ندرك أن هذه الصور ليست الحياة كاملة. نعرف أنها لحظات منتقاة، وأن وراء الصورة ما لا يظهر فيها. ومع ذلك تظل العين تتأثر بما تراه، ويبدأ العقل أحيانًا دون وعي في إعادة تعريف ما يعتبره حياة جيدة.

وهنا لا تكمن المشكلة في أن يعجبنا شيء عند الآخرين، ولا في أن نتأثر بهم أو نقتبس منهم. فالإنسان يتعلم من محيطه، ومن الطبيعي أن تتغير بعض اختياراته بمرور الوقت.

لكن السؤال الأهم هو: هل ما تغير فينا كان اختيارًا منا، أم استجابة مستمرة لما يحيط بنا؟

فليس عيبًا أن نرتدي ما هو رائج إذا أحببناه، ولا أن نسافر إلى المكان الذي يسافر إليه الآخرون، ولا أن نؤثث بيوتنا بالطريقة المنتشرة. المشكلة ليست في التشابه، وإنما في أن نفقد القدرة على الاختيار.

أن أختار الشيء لأنني أحبه شيء، وأن أختاره لأنني أخشى أن أبدو مختلفًا شيء آخر.

ومن هنا يمكن أن يبدأ الإنسان في فقدان شيء لا يلاحظ قيمته إلا بعد أن يبتعد عنه وهي معرفته بنفسه.

فقد يعتاد الإنسان أن ينظر إلى نفسه بعين الآخرين إلى الدرجة التي يصبح معها السؤال عن رأيه هو أصعب من السؤال عن رأي الناس.

هل يعجبني هذا فعلًا، أم أنني اعتدت أن أراه جميلًا لأن الجميع يراه كذلك؟

هل أريد أن أذهب إلى هذا المكان، أم أريد فقط أن أكون الشخص الذي ذهب إليه؟

هل اخترت هذا لنفسي، أم اخترته للصورة التي سأظهر بها أمام الآخرين؟

وقد لا تكون المشكلة في أن نعيش حياة تشبه الآخرين، وإنما في أن نعيش حياة لا نعرف إن كانت تشبهنا نحن أصلًا.

فالهوية لا تضيع دائمًا في لحظة واحدة، ولا يحتاج الإنسان إلى أن يتخلى عن نفسه دفعة واحدة وأحيانًا يحدث الأمر بهدوء شديد.

اختيار صغير نتنازل فيه عن ذوقنا، وآخر نفعله حتى لا نبدو مختلفين، وثالث نختاره لأن الجميع اختاره، حتى تتراكم هذه الأشياء بمرور الوقت، ونكتشف أننا أصبحنا نعرف جيدًا ما الذي يعجب الناس، لكننا لم نعد نعرف بالقدر نفسه ما الذي يعجبنا نحن.

ولهذا ربما نحتاج من وقت إلى آخر إلى أن نبتعد قليلًا عن ضجيج المقارنة، لا لننعزل عن المجتمع، ولا لنرفض كل ما يأتي منه، وإنما لنستعيد المساحة التي يفترض أن تكون لنا داخل اختياراتنا.

فمن حق الإنسان أن يتأثر بمن حوله، لكن ليس من الضروري أن يفقد نفسه بينهم.

ومن حقه أن يعجبه ما يعجب الآخرين، لكن من المهم أن يعرف: هل أعجبني لأنه يناسبني، أم لأن الجميع أعجب به؟

فالحرية الحقيقية ليست أن أفعل عكس ما يفعله الناس دائمًا، فذلك قد يكون نوعًا آخر من التبعية، وإنما أن أستطيع أن أفعل مثلهم عندما أقتنع، وأن أختلف عنهم عندما لا يناسبني الأمر، دون أن أشعر أن اختلاف اختياري ينتقص من قيمتي.

فليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون مختلفًا لمجرد الاختلاف، كما أنه ليس مطلوبًا منه أن يكون نسخة من الآخرين حتى يشعر بأنه ينتمي.

بين التشابه والاختلاف توجد مساحة اسمها الاختيار.

وفي هذه المساحة تتشكل هويتنا.

وربما لهذا، وسط كل تلك الأصوات التي تخبرنا كيف ينبغي أن نبدو، وأين ينبغي أن نذهب، وماذا ينبغي أن نحب، نحتاج أحيانًا إلى أن نصمت قليلًا، لا لنسمع الآخرين بصورة أوضح، وإنما لنسمع أنفسنا.

أن نسأل بعيدًا عن الإعجاب والتعليق والنظرات: ماذا أحب أنا؟ وماذا أريد؟

أي حياة كنت سأختار لو لم يكن هناك من ينتظر مني أن أبدو بصورة معينة؟

وربما كان السؤال الأصعب، والأصدق: من أنا حين لا يراني أحد؟
                                                                                                                                    With love

                                                                                     Hala Signature

السبت، 5 سبتمبر 2026

من قال أن علينا أن نختار؟

سبتمبر 05, 2026 0 Comments



متى أصبح على الإنسان أن يختار بين أن يكون ابن وطنه وابن عقيدته؟

ومن الذي أقنعنا أن الانتماء إلى أحدهما لا يكتمل إلا بالتبرؤ من الآخر؟

انتشرت مؤخرًا في مصر معركة لا تنتهي حول سؤال: أيهما أولى، الدين أم الهوية المصرية؟

لقد أحدث هذا السؤال العديد من الصراعات بين الناس على وسائل التواصل الاجتماعي حتى تحول الأمر إلى مشادات كلامية وتكفير ومحاولة إظهار كل شخص لانتمائه بصورة فجة تصل إلى سب الطرف الآخر.

فهناك فريق يرى أن التمسك بالدين هو الأصل، وأن كل ما عداه لا قيمة له إذا تعارض معه، وقد ينظر إلى كل من يرفع راية الهوية المصرية أو يحتفي ببعض مظاهر التراث بعين الريبة، وكأن الاعتزاز بالوطن لا بد أن يكون على حساب العقيدة.

وفريق آخر يسمون أنفسهم الكيميتيين أو القوميين يرى أن الهوية المصرية هي الأصل الذي يجب الحفاظ عليه، وقد ينظر إلى المتدين نظرة تختزله في الجهل أو الجمود أو الانفصال عن الواقع ومحاولة التقليد الأعمى لعادات غير المصريين، وكأن التمسك بالدين يعني بالضرورة رفض الثقافة المصرية وتاريخها.

وبين الفريقين تضيع حقيقة بسيطة غائبة عن الجميع بسبب التعصب الأعمى:

لماذا علينا أن نختار أصلًا؟

في الحقيقة، الإنسان ليس كلمة واحدة ولا هوية واحدة. نحن لا نعيش بهوية واحدة صلبة، وإنما تتداخل في تكويننا دوائر كثيرة مثل: الدين، والوطن، واللغة، والأسرة، والثقافة، والذكريات، والتاريخ، والعادات، والتجارب التي صنعتنا.
حتى إن الإنسان الواحد يطور من أفكاره مع الوقت ويتبنى أفكارًا جديدة، فلماذا نصر على اختزال هويته في موقف واحد أو انتماء واحد؟

إن كون الإنسان مسلمًا لا يمحو كونه مصريًا، كما أن كونه مصريًا لا يجعله أقل إسلامًا

بل إن الهوية المصرية نفسها لم تتكون في لحظة واحدة، ولم يصنعها جيل واحد. إنها حصيلة تاريخ طويل مرت فيه مصر بمراحل وحضارات وتحولات كثيرة، وترك كل عصر شيئًا في ذاكرتها. لكن الاعتراف بهذا التاريخ لا يعني تقديس كل ما فيه، كما أن رفض بعض مراحله أو نقدها لا يعني محوها من الذاكرة.

هناك فرق بين أن تعرف تاريخك، وبين أن تقدسه.

وفرق بين أن تعتز بوطنك، وبين أن تجعل الوطن بديلًا عن كل انتماء آخر.

وفرق بين أن تتمسك بعقيدتك، وبين أن ترى كل ما يختلف عنها جهلًا أو كفرًا.

وربما هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فنحن أحيانًا لا ندافع عن هويتنا إلا عندما نشعر أن هناك من يهددها ويسلب مجدها، وعندما يشعر الإنسان أن جزءًا من هويته مهدد، قد يتحول الانتماء عنده إلى معركة تعصب.

فيبدأ في تعريف نفسه بالنقيض تمامًا:

أنا لست مثل هؤلاء. أنا لا أحب ما يحبونه. أنا لا أؤمن بما يؤمنون به. أنا لا أنتمي إلى عالمهم. وبمرور الوقت، يصبح الانتماء قائمًا على الرفض والعراك أكثر مما هو قائم على المعرفة.

وهنا يمكن أن يحدث شيء غريب؛ أن يظن الإنسان أنه يحافظ على هويته، بينما هو في الحقيقة لا يعرف منها إلا الجزء الذي يستخدمه في مواجهة الآخرين. وقد يدافع عن هويته وهو لا يعرف أي شيء على الإطلاق لمجرد أنه على خلاف مع أحد الآراء الدينية المتعصبة أو أنه صادف أحد رجال الدين المتعصبين ولم يعجبه كلامه.
إلا أن الحقيقة تكمن في الاعتدال والتوسط والوصول إلى التوازن الدقيق، فالتوازن هو سنة الكون في كل شيء.

إن التراث المصري القديم ترك لنا أكثر مما ظهر منه وأكثر مما اكتشفناه، فالمعابد المصرية القديمة وجدران المقابر حملت معها عبر الزمان شتى علوم الحضارة والصناعات بدءا من صناعة الملابس ووصفات الطعام ومواد التجميل وآلات الحروب والأحداث التاريخية السارة والحزينة على حد سواء.
فلنا أن نفتخر بالحضارة التي كانت بذرة النور للعالم أجمع ونفتخر بالأرض التي عاش عليها ومر عليها وولد فيها أنبياء كرام. ولنا أن نفتخر أنهم كانوا من بين الحضارات الأكثر تقدمًا أكثر ما نتصور.
كذلك لنا أن نفتخر أننا مُسلمون، وُلدنا على دين التوحيد الطاهر نعبد الإله الواحد الذي ليس كمثله شيء. نؤمن بملائكته وبكتبه ورسله ولا نفرق بين أحد منهم. نعشق ونحترم آل بيت خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام.

إن الاتزان لا يعني أن نساوي بين كل شيء، فالعقيدة عقيدة. والوطن وطن. والتاريخ تاريخ.

والثقافة ثقافة. ولا يحتاج أحد هذه الأشياء إلى أن يمحو الآخر حتى يكون موجودًا

المشكلة تبدأ عندما نطلب من الهوية أن تكون نسخة واحدة لا تقبل الإضافة.

عندها يصبح الاختلاف تهديدًا، ويصبح التنوع تناقضًا، ويصبح كل شخص مطالبًا بأن يثبت انتماءه بإلغاء انتماء آخر.

وربما كان السؤال الذي نحتاج إلى طرحه على أنفسنا ليس: أيهما أختار؟

وإنما:

كيف أستطيع أن أنتمي دون أن أتحول إلى نسخة معادية من كل من لا ينتمي بالطريقة نفسها؟

إن الإنسان لا يصبح أكثر ثباتًا حين يمحو نصف نفسه، وإنما حين يعرف كيف يضع كل جزء من أجزاء هويته في موضعه الصحيح وأن يُظهرها في الوقت المناسب.

ولعلنا نحتاج في زمن كثرت فيه الخصومات حول الهوية إلى شيء من الهدوء.

أن نتوقف عن سؤال الآخر: كيف تستطيع أن تكون هذا وذاك؟

وأن نسأل بدلًا من ذلك:

لماذا افترضنا من البداية أن (هذا) يلغي (ذاك)؟

ومن أجمل ما يوضح الفرق بين العقيدة والعادة والميل الشخصي موقف النبي ﷺ من الضب؛ فقد عافه لأنه لم يكن من طعام قومه، فلما سُئل: أحرام هو؟ قال: لا. فأكل خالد بن الوليد منه والنبي ﷺ ينظر إليه ولم ينكر عليه. وهنا نرى بوضوح أن عدم اعتياد الإنسان على شيء، أو نفوره منه، لا يحوله إلى حكم ديني، كما أن اختلاف الناس في أذواقهم وعاداتهم لا يعني اختلافهم في أصول عقيدتهم.

ولتتذكر دائمًا عزيزي القارئ أن هذا الاتزان لا يعني أن تصبح العقيدة أمرًا قابلًا للمساومة، أو أن يتحول الاعتزاز بالهوية إلى مبرر للتنازل عن مبدأ ديني. فالثقافة تتغير، والعادات تختلف، والذوق يتبدل، أما ما يراه الإنسان من أصول دينه حقًا فلا يجعله تابعًا لكل ما يحيط به. وكما لا ينبغي أن نمحو هويتنا الثقافية لنثبت تديننا، لا ينبغي كذلك أن نتخلى عن مبادئ ديننا لنثبت انتماءنا الثقافي.                                                                                                                         

                                                                                                                                            With love

                                                                                                                                                     Hala Signature

السبت، 29 أغسطس 2026

لا تمشي على الماء.. امشِ إلى الله

أغسطس 29, 2026 0 Comments


 من أكثر الأسئلة التي يمكن أن يتوقف عندها بعض الذين يسعون للتطور الروحي هو: لماذا لا يرى جميع البشر الحقيقة؟ ولماذا يستطيع بعض الناس أن ينظروا إلى الحياة فيتجاوزوا ظاهرها إلى معانٍ أعمق، بينما يبقى آخرون أسرى لما تراه العين وما تدركه الحواس فقط؟

والحقيقة أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل الناس متساوين في العلم والإدراك والقدرة على التأمل، كما لم يجعلهم متساوين في الاستعداد النفسي والروحي لتلقي الحق ومعرفة الله حق المعرفة وإدراك حقيقة الكون.
فهناك من يمر بالحياة ولا يرى فيها إلا ما يقع تحت يده، وهناك من ينظر إلى الأشياء نفسها فيرى وراءها دلالات تقوده إلى خالقها.

وليس معنى ذلك أن الحقيقة حُجبت عن الناس، أو أن الله اختص بها فئة دون غيرها، وإنما
جعل الوصول إليها طريقًا يحتاج إلى طلب وسعي وتزكية وصبر.
 ولهذا قال سبحانه:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.

فالهداية هنا لم تأتِ في صورة معلومة سهلة في يد الإنسان، وإنما جاءت بعد المجاهدة. ذلك لأن الطريق إلى معرفة الله يحتاج إلى أن يعمل الإنسان على نفسه كما يعمل على عقله.

ولهذا قد يقرأ شخصان الآية نفسها، فيخرج أحدهما منها بمعلومة، بينما يخرج الآخر منها وقد تغير شيء في قلبه. وقد ينظر اثنان إلى السماء نفسها، فيراها أحدهما مجرد مساحة زرقاء، بينما يرى الآخر فيها أثرًا من آثار القدرة والإبداع.

قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

ولهذا أيضًا لم يجعل الله العلم مرتبة واحدة، فقال سبحانه:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.

وقال:

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.

فالبشر درجات في المعرفة، ودرجات في الفهم، ودرجات في البصيرة، وحتى أولئك الذين أدركوا الحقيقة أو ظنوا أنهم وصلوا إلى مرحلة عالية من التطور الروحي؛ يتفاجؤون بعد فترة أو موقف معين أنهم مازالوا في أول الطريق. فكلما ازداد الإنسان علمًا أدرك في الوقت نفسه اتساع ما يجهله.
وكيف لا وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قصة النبي موسى والخضر. لقد آتى الله الخضر علمًا لم يؤته موسى عليه السلام في ذلك الباب، مع أن موسى كان نبيًا من أنبياء الله.
وحاشا لله أن نذكر أن أحدهم أفضل من الآخر، فقد جعل الله لكل فرد رسالة في الدنيا ليتمها وليكمل كل منا الآخر بمعرفته وما أتاه الله من فضل.

لكن هنا ينبغي أن نتوقف عند تصور شائع عن الوصول إلى الحقيقة، وهو مفهوم شائع خصوصًا بين الشباب الذين يسعون للمعرفة الباطنية. هذا التصور هو أن الإنسان كلما اقترب من الحقيقة الإلهية ظهرت عليه أمور خارقة للعادة، فيستطيع أن يعرف الغيب، أو يمشي على الماء، أو تأتيه خوارق تجعله مختلفًا عن سائر البشر.

وقد وقعت الكرامات لأولياء الله، ولا ينكرها من حيث الأصل من يثبتها الكتاب والسنة، لكن يجب الإشارة إلى أن الكرامة ليست هي الغاية، وليست مقياس القرب من الله.

فالإنسان قد يكون أقرب إلى الله وهو لا يملك شيئًا من ذلك، وقد تكون أعظم كرامة له أن يظل ثابتًا على الحق حين لا يراه أحد، وأن يترك معصية يستطيع الوصول إليها ولا يمنعه منها إلا خوف الله. وقد يكون بين الناس من لا يلفت النظر بمظهره ولا يملك شيئًا من مظاهر الشهرة، لكنه عند الله أرفع وأصدق ممن يملأون الدنيا حديثًا عن أنفسهم.

إن المشكلة تبدأ حين يتحول الإنسان من البحث عن الله إلى البحث عن الأشياء الغريبة التي قد تصاحب الطريق.

فيصبح السؤال: هل يستطيع أن يمشي على الماء؟

بدل أن يكون السؤال: هل استطاع أن يمشي في الطريق إلى الله؟

هل يستطيع أن يخبر بما سيحدث غدًا؟

بدل أن نسأل: هل استطاع أن يعرف عيوب نفسه؟

هل يملك خارقة؟

بدل أن نسأل: هل تغير قلبه؟

فالإنسان قد ينشغل بالعلامة وينسى صاحب العلامة، وينشغل بالكرامة وينسى رب الكرامة.

والأغرب أن خوارق الأمور ليست كلها دليلًا على الولاية أصلًا. فوجود أمر غير معتاد لا يعني تلقائيًا أن صاحبه من أولياء الله؛ إذ قد تكون بعض الخوارق من السحر أو من أعمال الشياطين، وقد يلتبس الأمر على الإنسان إذا جعل الخارق وحده معيارًا للحقيقة.

ولهذا لا ينبغي أن يكون هدف السالك إلى الله أن يبحث عن القدرة على خرق العادة، وإنما أن يبحث عن القدرة على خرق عاداته هو؛ أن يتغلب على شهوته حين تدعوه، وعلى غضبه حين يستفزه، وعلى كبره حين يشعر أنه أفضل من غيره، وعلى خوفه حين يكون الحق أثقل من أن يُقال.

فما قيمة أن يمشي الإنسان فوق الماء إذا كان عاجزًا عن السير بعيدًا عن الحرام؟

وما قيمة أن يرى شيئًا لا يراه غيره إذا كان لا يرى عيوب نفسه؟

وما قيمة أن يمتلك قدرة خارقة إذا كان قلبه لم يتطهر من حب الظهور والسلطة والغرور؟

إن الطريق إلى الله ليس مسابقة في الغرائب، لكنه رحلة طويلة من المعرفة والتزكية والعبادة والعمل.

وقد يكون من رحمة الله بالإنسان أن يحرمه بعض الأشياء التي يتمنى امتلاكها، لأنها لو جاءت إليه لأفسدت عليه الطريق. فليس كل ما يثير إعجاب الإنسان خيرًا له، وليس كل ما يبدو خارقًا دليلًا على رفعة صاحبه.

والله سبحانه وتعالى قادر على أن يهب بعض عباده من الكرامات ما يشاء، ولكن الكرامة في النهاية هبة وليست منزلة يسعى الإنسان إليها لذاتها.

أما الغاية الكبرى فهي أن يعرف الإنسان ربه.

أن يرى آثار رحمته في النعم، وآثار حكمته في المنع، وآثار قدرته في الكون، وأن يتعلم كيف ينتقل من رؤية الأشياء إلى معرفة من أوجد الأشياء.
وقد أورد عنايت خان وهو أحد الحكماء في كتابه كيمياء السعادة أنه
ذات مرة ذهب رجل إلى حكيم صيني وقال له:
أريد أن أتعلم القوانين الخفية. هل ستعلمني؟
 فقال الحكيم: لقد جئت لتطلب مني أن أعلمك شيئًا، ولكن لدينا الكثير من المبشرين في الصين الذين يأتون ليعلمونا.
 فقال الرجل: نحن نعرف عن الله، لكنني جئت إليك لأسألك عن القوانين الخفية.
فقال الحكيم: إذا كنت تعرف عن الله فأنت لا تحتاج إلى معرفة أي شيء آخر. الله هو كل ما يجب معرفته. إذا كنت تعرفه فأنت تعرف كل شيء
.

ولهذا ربما كان أعظم ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس أن يرى ما لا يراه الآخرون، لكن أن يرى بعين البصيرة آثار عظمة الله وجلاله في كل شيء حوله.

فالحقيقة ليست بالضرورة خلف ستار لا يستطيع أحد الوصول إليه، وربما كانت أمام الإنسان طوال الوقت، لكنه كان يحتاج إلى أن يتغير هو حتى يستطيع أن يراها.

ولعل هذا هو معنى البصيرة التي لا تمنحها كثرة المعلومات وحدها؛ فهناك فرق بين أن تعرف عن الله وأن تعرف الله، وبين أن تجمع المعلومات عن الطريق وأن تسير فيه.

وفي النهاية، ليس المهم كم رأينا من العجائب، ولا كم امتلكنا من القدرات، ولا كم اختلفنا عن الآخرين.

المهم هو: إلى أين قادنا كل ذلك؟

فإن قادتنا المعرفة إلى التواضع، وقادتنا العبادة إلى الرحمة، وقادتنا التجربة إلى اليقين، وقادتنا الحياة كلها إلى الله، فقد أصبنا من الحقيقة شيئًا.

أما إذا جعلتنا المعرفة نرى أنفسنا فوق الناس، وجعلتنا الخوارق نطلب الشهرة، وجعلتنا الأسرار المزعومة نحتقر من لم يصل إليها، فربما كنا قد انشغلنا بالطريق حتى نسينا وجهته.

فليست أعظم كرامة أن ترى ما لا يراه الناس، وإنما أن ترى الله في كل ما يراه الناس، ثم تمضي في حياتك عبدًا له لا طالبًا لأن يراك الناس مختلفًا عنهم.

 




With love

Hala Signature

الأحد، 23 أغسطس 2026

عن الحرب والسلام

أغسطس 23, 2026 0 Comments


لقد دعى الكثير من الشخصيات العالمية على مر العصور إلى السلام، بدءًا من الشخصيات التاريخية البارزة مثل غاندي ومانديلا وصولًا إلى المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي في عصرنا الحالي.

ولكن العقيدة وتجارب الحياة علمتنا أن ليس كل خلاف يحتاج إلى معركة، كما أن كل معركة لا يمكن حلها بالسلام. وبين الطرفين مساحة واسعة يحتاج الإنسان أن يتعلم فيها متى يتراجع، ومتى يثبت، ومتى يعفو، ومتى يدفع الظلم.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن السلام هو الحالة التي ينبغي للإنسان أن يختارها دائمًا، وأن القوة لا تُستخدم إلا حين يفشل كل شيء آخر بما أن الدعاة إلى ذلك كانوا شخصيات مؤثرة بحق ولهم تاريخ حافل بتقديم المساعدات الإنسانية. وهذا صحيح من جهة أن الأصل هو حقن الدماء، وإقامة العدل، وإعمار الأرض، لكن القرآن يلفت نظرنا إلى حقيقة أخرى أكثر عمقًا؛ وهي أن ترك القوة تمامًا قد لا يؤدي إلى السلام، لكنه على العكس قد يترك الأرض لمن يملك القوة ولا يتورع عن استخدامها في الظلم.

ولذلك يقول الله تعالى في سورة البقرة:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.

والآية نفسها تتكرر في سورة الحج في سياق آخر:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.

ومن اللافت للنظر أن القرآن لم يقل: "ولولا حرب الله الناس بعضهم ببعض"، وإنما قال:
 ﴿دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾.
 والدفع أوسع من الحرب؛ فقد يكون بالكلمة، وبالحجة، وبالقانون، وبالسلطة التي تمنع الظالم، وبالضغط على الخصم في أمور معينة، وقد يصل إلى القوة حين تصبح القوة هي الوسيلة اللازمة لمنع الظلم والعدوان.

فالإنسان لا يعيش في عالم لا يوجد فيه إلا المسالمون. وفي كل مجتمع قد يوجد من يظلم إذا أُعطي القدرة، وإذا لم يجد المعتدي من يردعه، ومن يحاول أن يجعل قوته فوق القانون والحق. وإذا قرر الجميع أن يتركوا المواجهة مهما حدث، فلن تختفي القوة من العالم، وإنما ستبقى في يد الطرف الذي لا يخشى استخدامها.

ولهذا كان من الخطأ أن نتصور أن السلام يعني دائمًا عدم المواجهة. فقد يكون الصمت أمام الظلم سلامًا في ظاهره، لكنه قد يكون في حقيقته مشاركة في إطالة الظلم.

وفي سورة البقرة يأتي هذا المعنى في قصة طالوت وجالوت؛ فقد كان بنو إسرائيل أمام قوة طاغية يقودها جالوت، ولم يكن المطلوب منهم أن يستسلموا حفاظًا على حياتهم، بل خاضوا المعركة، وانتصروا بإذن الله، وكان داود عليه السلام هو الذي قتل جالوت.

ثم يأتي التعقيب القرآني:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.

فالقوة هنا لم تكن غاية، ولم يكن الانتصار لمجرد الانتصار، وإنما كان دفعًا لقوة أخرى لو تُركت دون مقاومة لأفسدت الأرض.

وفي سورة الحج يصبح المعنى أوسع؛ فالدفع لم يكن لحماية فئة واحدة فقط، وإنما لحماية أماكن العبادة المختلفة:

﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾.

وكأن القرآن يلفت نظر الإنسان إلى أن دفع الظلم ليس دفاعًا عن أنفسنا فقط، وإنما قد يكون دفاعًا عن حق الآخرين في أن يعيشوا ويعبدوا الله دون أن تهدمهم قوة المعتدي.

وهنا نكتشف أن المشكلة ليست في الحرب وحدها، وإنما في فقدان الميزان.

فالذي يرى أن القوة هي الحل لكل شيء قد يتحول من مدافع عن الحق إلى معتدٍ باسم الحق، والذي يرى أن السلام هو الحل في كل شيء قد يتحول من محب للسلام إلى شخص يسمح للظلم أن يستمر باسم السلام.

والحكمة ليست في اختيار أحدهما دائمًا، وإنما في معرفة أي موقف يحتاج إلى أي منهما.

وهذا الميزان لا يخص الحروب وحدها، بل يدخل في تفاصيل حياة الإنسان كلها.

فقد تحتاج أن كإنسان على المستوى الشخصي في موقف معين إلى العفو، وفي موقف آخر إلى وضع حدود واضحة. وقد يكون الصمت حكمة في وقت، بينما يصبح الكلام واجبًا في وقت آخر. وقد يكون التراجع عن الجدال انتصارًا للنفس، بينما يكون التراجع عن الحق هزيمة لها.

حتى في تربية الأبناء، لا يمكن أن يكون اللين وحده كافيًا، ولا الشدة وحدها صالحة. وفي العلاقات، قد يكون التسامح فضيلة، لكنه يتحول إلى ظلم للنفس إذا أصبح قبولًا دائمًا للأذى. وفي المجتمع، قد يكون الحوار هو الطريق الأفضل، لكن الحوار نفسه يفقد معناه إذا كان أحد الأطراف يستخدمه فقط لكسب الوقت بينما يستمر في الظلم.

ولهذا فإن القوة في المفهوم الصحيح ليست عكس الرحمة، كما أن السلام ليس عكس القوة.

قد تكون القوة هي التي تحمي السلام.

وقد يكون العفو هو الذي يمنع حربًا.

وقد تكون كلمة صادقة في الوقت المناسب أقوى من معركة طويلة.

المهم ألا تتحول الوسيلة إلى غاية، وألا ينسى الإنسان لماذا استخدمها في البداية فيبدأ بإراقة الدماء دون داعي أو بالخنوع والاستسلام للظلم دون مقاومة.

فالذي يقاتل من أجل أن ينتصر فقط قد ينسى الحق الذي بدأ القتال من أجله، والذي يسالم من أجل أن يتجنب الألم فقط قد ينسى المظلوم الذي كان يحتاج إلى أن يقف إلى جواره.

ولعل أعظم ما نتعلمه من قوله تعالى:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾

أن بقاء الخير في الأرض لا يعني غياب الشر، وإنما يعني ألا يُترك الشر بلا دفع.

فليس المطلوب من الإنسان أن يكون محاربًا دائمًا، ولا أن يكون مسالمًا دائمًا، وإنما أن يكون عادلًا دائمًا. فإذا كان السلام يحفظ الحق، فليكن السلام. وإذا كان العفو يصلح، فليكن العفو.

وإذا كان الحوار يرد الظلم، فليكن الحوار.

أما إذا أصبح السلام مجرد اسم آخر للاستسلام، وأصبح الصمت طريقًا لاستمرار العدوان، فقد يكون الدفع هو الطريق الوحيد حتى يعود السلام إلى معناه الحقيقي.

لأن السلام الذي يُبنى فوق الظلم ليس سلامًا كاملًا، والقوة التي تنفصل عن العدل ليست قوة حقيقية.

وبينهما يبقى الإنسان محتاجًا إلى شيء أصعب من اختيار الحرب أو السلام وهو أن يعرف متى يختار كل واحد منهما.

 

 


With love

Hala Signature

الخميس، 13 أغسطس 2026

مراجعة كتاب الجمال والتجميل في مصر القديمة

أغسطس 13, 2026 0 Comments




بالعودة إلى عصر الأسرات .. أتنقل بخفة بين مشاهد الجمال في مصر القديمة. أرى الجمال بعيون كل من الدكتور محمد فياض والدكتور سمير أديب حيث نهر النيل الذي ينبع من الجنة و يسير في خط مستقيم ليصبح الوريد في قلب كيميت.
هناك تجد منازل الطبقة الوسطى والعليا تزينها الحدائق المُعتنى بها والمرتبة بجمال فائق والتي تنم عن ذوق رفيع وقلب يعشق الجمال. تتنقل بين المساحات الخضراء لتجد برك المياه يسبح بها السمك وتطفو عليها زهور اللوتس الآسرة.
يلفت إنتباهك صوت الطيور المغردة هنا وهناك ورائحة أشجار الفاكهة والنباتات الطبية المزروعة في حديقة المعابد لتجد أن الجمال يحيط بك في كل مكان ليتجلى في تنسيق الحدائق وأدوات التجميل والوصفات الطبية والتجميلية التى استخدمها الرجال والنساء على حد سواء.
يمكنك أن ترى عاشقين على شاطئ النيل حيث يشدو أحدهم أشعار الغزل لحبيبته، هذه الأشعار التي خلدها التاريخ المصري القديم وذُكرت في عدة برديات لاحقًا.
ببساطة، هذا الكتاب يتحدث عن كل مظاهر الجمال في المنازل والغرف والحدائق والأدوات والأدب والشعر وكل ما يبهج القلب ويسر النفس.
إذا كنت تريد أن تعيش تجربتي كما شعرت بها رغم أنني أؤمن أن لكل فرد تجربته الخاصة... يمكنك قراءة الكتاب أثناء الاستماع لموسيقى Immortality- Gerald Jay



                                                                                                                           With love

                                                                                                    Hala Signature    

الجمعة، 24 يوليو 2026

كتاب لغة الزهور لأوديسا بيجاي Odessa Begay

يوليو 24, 2026 0 Comments




كالنحلة في يوم من أيام بداية الربيع، ذهبت في رحلة مع كتاب لغة الزهور لأوديسا بيجاي  إلى عالم الزهور وتاريخها كرموزًا تحمل تاريخًا طويلًا من المشاعر والمعاني والرسائل الخفية.

منذ العصور القديمة، كانت الزهور - وحتى الآن - رسالة كاملة فيها من العطور ما فيها؛ فالوردة قد تعبرعن الحب، والزنبقة عن النقاء، والبنفسجة عن التواضع، ولكل زهرة حكاية نشأت من الأساطير والعادات والتقاليد.

وما يميز الكتاب أنه يعيد إلينا طريقة قديمة في النظر إلى العالم؛ طريقة ترى أن لكل شيء روحًا ومعنى، وأن الطبيعة ليست شيئًا منفصلًا عنا، لكنها تتحدث بلغة أخرى تشاركنا فيها التعبير عما نعجز أحيانًا عن قوله.... فقط إذا أجدنا الإستماع.

بين صفحات الكتاب تشعر أنك تفتح قاموسًا من الرموز القديمة، وتكتشف أن باقة صغيرة من الأزهار يمكن أن تحمل قصة أو ذكرى أو اعترافًا لا تحتاج إلى كلمات.
 

إنه كتاب ملئ بروائح العطور وطعم العسل وأصوات النحل وألوان الفراشات. وهو مناسب لكل من يحب الطبيعة والفن و التاريخ. وكل من يؤمن أن الجمال أحيانًا يخفي وراءه حكاية أعمق مما نراه.


With love

Hala Signature

الأربعاء، 8 يوليو 2026

السورة التي بدأت من البيت البسيط

يوليو 08, 2026 0 Comments

إذا أراد الإنسان أن يتعرف على أولويات القرآن في بناء المجتمع، فقد يتوقع أن يبدأ بالحديث عن الدولة، أو الاقتصاد، أو القضاء، أو الجهاد، أو سائر القضايا الكبرى التي تقوم عليها الأمم. لكن المتأمل في كتاب الله يكتشف حقيقة مختلفة؛ فكل إصلاح عظيم يبدأ من موضع أصغر بكثير: من بيت، ومن أب يجلس مع ابنه.

ومن أعجب ما يدعو إلى التأمل أن الله سبحانه وتعالى قد خلد هذا المشهد الأسري في سورة كاملة تحمل اسم رجل لم يكن نبيًا عند جمهور العلماء، لكنه ذلك الرجل الذي آتاه الله الحكمة، فاستحق أن يذكر اسمه في القرآن إلى قيام الساعة. فلم يخلد القرآن ماله، ولا مهنته، ولا نسبه، ولا عدد أولاده، ولا شيئًا من تفاصيل حياته، وإنما خلد حوارًا دار بين أب وابنه.

وهنا يبرز سؤال يستحق أن نتوقف عنده طويلًا: لماذا حفظ القرآن كلمات لقمان، ولم يحفظ أشياء كثيرة كان يمكن أن تبدو في نظر الناس أعظم شأنًا؟

لعل الجواب يكمن في أن الأمم لا تبدأ من القصور، وإنما تبدأ من البيوت. وأن انهيار الحضارات لا يبدأ من سقوط الجيوش، وإنما من انهيار التربية. فحين أراد القرآن أن يقدم نموذجًا خالدًا في صناعة الإنسان، لم يختر ملكًا يوصي وريث عرشه كيف يحكم البلاد، ولم يختر قائدًا يلقن ابنه فنون الحرب، بل اختار أبًا يجلس إلى جوار ابنه، يحدثه عن الله.

ولعل الأشد إثارة للتأمل أن أول ما خرج من فم لقمان لم يكن حديثًا عن النجاح، ولا عن الرزق، ولا عن المكانة بين الناس، ولا عن طلب العلم بمعناه الواسع، وإنما قال:

﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.

وكأن القرآن يريد أن يعيد ترتيب الأولويات التي كثيرًا ما يختل ميزانها في كل عصر. فالناس ينشغلون بما سيصبح عليه الأبناء من أطباء أو مهندسين أو أصحاب مناصب، بينما كان أول ما شغل قلب لقمان هو: ماذا سيكون بين ابنه وبين الله؟

إن هذه البداية ليست مجرد وصية دينية، بل إعلان عن قاعدة تربوية كبرى؛ وهي أن العقيدة ليست فرعًا من فروع التربية، بل هي الجذر الذي تتفرع منه بقية الفروع. فإذا استقام الجذر، أمكن للأغصان أن تنمو مستقيمة، وإذا فسد الأصل، لم يغنِ جمال الأغصان عن ضعف الشجرة.

ولو تأملنا واقعنا اليوم لوجدنا أننا نعيش زمنًا لم يعد الأبوان فيه وحدهما من يربيان أبناءهما. لقد كان الطفل في الماضي يتلقى معظم أفكاره داخل البيت، ثم من معلمه، ثم من مجتمعه القريب. أما اليوم فقد أصبح يحمل في جيبه نافذة مفتوحة على العالم كله، يدخل منها في يوم واحد إلى آلاف العقول والآراء والتصورات، دون أن يستأذن أحد.

لقد فقدت الأسرة احتكارها للتربية، لكنها لم ولن تفقد مسؤوليتها عنها.

وهنا تكمن المفارقة التي ربما لم يشهد التاريخ مثلها من قبل؛ فكلما ازدادت الجهات التي تخاطب عقول الأبناء، ازدادت حاجة الأسرة إلى أن تكون أوضح صوتًا، لا أعلى صوتًا. فالمعركة لم تعد معركة منع، لأن المنع لم يعد ممكنًا، وإنما أصبحت معركة بناء. بناء عقل يعرف كيف يميز، وقلب يعرف كيف يثبت، وإيمان يستطيع أن يصمد إذا اختلطت الأصوات وتشابكت الطرق.

ولذلك لم يبدأ لقمان وصيته بتحذير ابنه من الناس، لكنه بدأ بتعريفه بالله. لأن من عرف ربه، استطاع أن ينظر إلى كل فكرة بعد ذلك بميزان، لا أن يبتلعها كما هي. ومن امتلأ قلبه بالإيمان، لم يعد كل صوت جديد قادرًا على اقتلاعه من جذوره.

ولعل هذا هو ما يجعل وصية لقمان أكثر حضورًا في زماننا من أي وقت مضى؛ فنحن نعيش أزمة ترتيب الأولويات. وأصبحت المشكلة أن أبناءنا يجدون من يعلمهم كل شيء... إلا الثبات إذا جاءت الفتنة.

ولو أكملنا قراءة وصايا لقمان، سنجد أنه بعد تأسيس العقيدة في قلب ابنه، بدأ بعد ذلك يبني هذا القلب طبقة بعد أخرى. فتحدث عن مراقبة الله تعالى، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ...﴾، ثم أوصاه بالصلاة، ثم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بالصبر، ثم بالأخلاق، ثم بالتواضع، ثم بطريقة المشي، وحتى بطريقة الكلام.

ولعل المتأمل في هذا الترتيب يكتشف أن لقمان كان يبني إنسانًا كاملًا. فلم يبدأ بالمعلومات، وإنما بدأ بالإيمان، ثم انتقل إلى العبادة، ثم إلى الأخلاق، ثم إلى السلوك اليومي. وكأن القرآن يريد أن يقول إن التربية ليست أن يعرف الإنسان كثيرًا، وإنما أن يستقيم كثيرًا.

وهنا تظهر المفارقة بين التربية التي يقدمها القرآن، والتربية التي يفرضها العصر.

ففي زمن أصبحت فيه قيمة الإنسان تُقاس بما يعرفه من مهارات، وعدد اللغات التي يتحدث بها، والبرامج التي يجيد استخدامها، والشهادات التي يحملها، يكاد السؤال الأهم يغيب عن كثير من البيوت: ماذا عن قلب هذا الطفل؟ ماذا عن يقينه؟ ماذا عن علاقته بربه إذا جلس وحده؟ ماذا عن ضميره إذا غاب الرقيب؟ وماذا عن ثباته إذا وجد نفسه يومًا أمام فكرة تهز كل ما تربى عليه؟

لقد أصبح كثير من الآباء والأمهات يبذلون سنوات طويلة في تعليم أبنائهم كيف ينجحون في الحياة، لكنهم لا يبذلون القدر نفسه في تعليمهم لماذا يعيشون أصلًا.

ولعل هذه هي الأزمة الحقيقية.

فالقرآن حين سجل وصايا لقمان لم يذكر أنه أوصى ابنه بأن يكون غنيًا، أو مشهورًا، أو صاحب جاه، أو متفوقًا على أقرانه، مع أن هذه الأمور ليست مذمومة في ذاتها، لكنها لم تكن هي الأولوية.

وكان لقمان يعلم أن الإنسان إذا عرف ربه، استطاع بعد ذلك أن يحسن التعامل مع الدنيا، أما إذا ملك الدنيا كلها وهو يجهل ربه، فلن يعرف كيف يستخدم ما بين يديه.

ولهذا لا ينبغي للأسرة أن تنشغل بتعليم أبنائها كل شيء، ثم تؤجل الحديث عن الله إلى أن يكبروا. لأن القلب لا يبقى فارغًا طويلًا؛ فإن لم تملأه الأسرة بالإيمان، ملأه غيرها بما يشاء.

وهذه الحقيقة ربما كانت أخف أثرًا في الأزمنة الماضية، أما اليوم فقد أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

لقد كان الطفل قديمًا إذا خرج من بيته، خرج إلى مجتمع يشبه بيته في كثير من القيم، وكانت مصادر المعرفة محدودة، وكان انتقال الأفكار يحتاج إلى زمن. أما اليوم فقد أصبح الطفل يعيش في غرفة واحدة، بينما يعيش معه العالم كله.

إن الهاتف الذي يمسكه الصغير بين يديه أصبح نافذة يدخل منها آلاف الأشخاص إلى عقله وقلبه. بعضهم يدعوه إلى الخير، وبعضهم يشككه في دينه، وبعضهم يزين له المعصية، وبعضهم يسخر من القيم، وبعضهم يقدم الانحراف في صورة التقدم، وبعضهم يلبس الباطل ثوب الرحمة أو الحرية أو العلم.

وهنا تكمن خطورة عصرنا؛ فلم تعد الفتنة تأتي الإنسان بعد رحلة طويلة، بل أصبحت تبحث عنه حيث يجلس.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل أسرة على نفسها لم يعد: ماذا يشاهد أبناؤنا؟ بل أصبح: بأي ميزان يشاهدون؟ فما دام من المستحيل أن نمنع عنهم كل ما في العالم، فإن الأهم من ذلك أن نغرس في داخلهم البوصلة التي تميز بين الحق والباطل، وبين النور والزيف، وبين العلم النافع والكلمة المسمومة.

إن الطفل الذي يعرف ربه جيدًا قد تعصف به الشبهات، لكنه يجد في داخله ما يعيده إلى الطريق. أما الذي لم يبني قلبه على يقين، فقد تكفيه شبهة واحدة ليبدأ في هدم ما لم يُبنَ أصلًا.

فالمعركة الحقيقية ليست مع الشبهة ولا مع الشهوة، بل مع القلب الذي يستقبلهما.
ولعل من أعظم الأخطاء التربوية في زماننا أن كثيرًا من الأسر أصبحت تظن أن كثرة المعلومات تعني كثرة الوعي، وأن امتلاء عقل الابن بالمعارف يكفي لحمايته من الانحراف. لكن الحقيقة أن الإنسان قد يكون واسع الثقافة، سريع الفهم، متقنًا لعدة لغات، ومع ذلك ينهزم أمام شبهة واحدة إذا لم يكن قلبه قد تربى على اليقين.

ولهذا لم يبدأ لقمان تعليم ابنه بكثرة العلوم، وإنما بدأ ببناء الميزان الذي سيزن به كل علم بعد ذلك. لأن المشكلة ليست في كثرة ما يسمعه الإنسان، وإنما في غياب المعيار الذي يميز به بين الحق والباطل.

وليس المقصود بهذا التقليل من شأن العلوم الدنيوية، فالإسلام لم يعرف يومًا صراعًا بين الدين والعلم، بل كانت حضارته شاهدًا على أن الوحي الصحيح والعقل السليم لا يتعارضان. وقد نبغ علماء المسلمين في الطب والهندسة والفلك والرياضيات وغيرها من العلوم التي انتفع بها الناس قرونًا طويلة، وكان كثير منهم يرون أن اكتشاف سنن الله في الكون صورة من صور التفكر في خلقه.

لكن الفرق كبير بين علم يعين الإنسان على عمارة الأرض وهو متعلق برب السماء، وبين علم يورث صاحبه الكبر، أو يقطع صلته بخالقه، أو يجعله يظن أن المعرفة تغنيه عن الهداية. فالعلم في الإسلام ليس غاية مستقلة، وإنما هو وسيلة، والوسائل لا تستقيم إذا ضاع المقصد.

ولهذا فإن من أعظم ما يمكن أن تقدمه الأسرة لأبنائها ليس أن تجعلهم يعرفون كل شيء، بل أن تعلمهم كيف يزنون كل شيء. فليس كل ما يلمع حقيقة، وليس كل ما ينتشر صوابًا، وليس كل ما يقال باسم الحرية رحمة، ولا كل ما يقال باسم التقدم خيرًا للإنسان.

ولعلنا إذا تأملنا الأحاديث النبوية التي تحدثت عن آخر الزمان وجدنا أن أعظم فتنة أخبر بها النبي ﷺ لم تكن فتنة فقر، ولا فتنة مرض، ولا فتنة هزيمة عسكرية، وإنما كانت فتنة الدجال. ولم يكن سر خطورتها فيما يملكه من قوة فحسب، بل فيما يحدثه من اضطراب في إدراك الناس، حتى يختلط على كثير منهم الحق بالباطل، وتلتبس الحقيقة بالخداع وهو ما يفعله الآن قبل ظهوره للعلن، فيتبعه من لم يرسخ الإيمان في قلبه.

وكأن أول وصية سجلها القرآن على لسان لقمان، وآخر فتنة حذر منها رسول الله ﷺ، تلتقيان عند معنى واحد: حماية القلب قبل كل شيء.

ولهذا فإن الأسرة التي تكتفي بأن تقول لابنها: (هذا حلال، وهذا حرام)، ثم لا تبني داخله محبة الله وتعظيمه، قد تنجح في ضبط سلوكه فترة من الزمن، لكنها لا تضمن ثباته إذا غاب عنها. أما إذا عرف الابن ربه حق المعرفة، وأحب دينه عن اقتناع، وتذوق حلاوة الإيمان، فإن كثيرًا من الفتن ستنكسر قبل أن تصل إلى قلبه.

لقد كان لقمان يجلس مع ابنه في بيت بسيط، لا يملك وسائل الإعلام، ولا شبكات التواصل، ولا آلاف الكتب، ومع ذلك خرجت من ذلك البيت وصايا رآها الله جديرة بأن تتلى إلى يوم القيامة.

إن أبناءنا سيخرجون غدًا إلى جامعات لا نرافقهم إليها، وإلى أعمال لا نستطيع أن نراقبهم فيها، وسيجلسون أمام شاشات لن نرى كل ما تعرضه عليهم، وسيسمعون أفكارًا لم تخطر على بال آبائهم وأجدادهم. ولن يبقى معهم بعد توفيق الله إلا ما استقر في قلوبهم وهم صغار، وما تعلموه في بيوتهم قبل أن يعلمهم العالم.


With love

Hala Signature

الخميس، 25 يونيو 2026

منطقة الراحة Comfort Zone

يونيو 25, 2026 0 Comments




لقد ظل التوازن بين الحركة والاستقرار أحد الأسئلة القديمة التي رافقت الإنسان عبر العصور. فمتى يكون الثبات حكمة؟ ومتى يتحول إلى جمود؟
لقد انتشر في السنوات الأخيرة مصطلح منطقة الراحة أو الكومفرت زوون كما هو شائع تسميتها بالإنجليزية بشكل مجنون بين الناس و بصورة غير مسبوقة، ورأينا كيف ينصح الناس بعضهم بالتخلي عن منطقة الراحة لأن السكون إليها هو المسبب الرئيسي للفشل في الحياه. وأصبحت النصائح تتكرر في كل مكان: اخرج من منطقة الراحة، جرب المزيد، غامر أكثر، لا تستقر طويلًا، لا تعتد شيئًا، لا تبق في مكانك.
فهل أصبحت منطقة الراحة عبادة جديدة؟

مع كثرة تكرار هذه العبارات، نشأ انطباع ضمني بأن الراحة شيء سلبي، وأن الاستقرار نوع من الجمود، وأن الإنسان كلما كان أكثر انشغالًا بالتغيير والتنقل من تجربة إلى أخرى كان أقرب إلى النجاح.

لكن هل الأمر بهذه البساطة فعلًا؟

الحقيقة أن المشكلة تكمن في تحويل الخروج من منطقة الراحة والاستقرار إلى هدف مستقل، وكأن الإنسان خُلق ليظل في حالة حركة دائمة لا تنتهي.

فإذا تأملنا حياتنا سنجد أن كثيرًا من الأشياء الجميلة فيها تقوم أصلًا على الاستقرار. فالأسرة المستقرة نعمة، والصداقة المستقرة نعمة، والبيت المستقر نعمة، وحتى الطمأنينة النفسية التي يبحث عنها الجميع ليست سوى صورة من صور الاستقرار الداخلي.

فلماذا أصبح الاستقرار فجأة أمرًا يُنظر إليه بريبة؟

ربما لأن بعض خطابات التنمية الذاتية الحديثة تنظر إلى الإنسان باعتباره مشروعًا يجب أن ينمو بلا توقف. فإذا اعتاد عملًا معينًا قيل له: اخرج من منطقة الراحة. وإذا استقر في مكان معين قيل له: اخرج من منطقة الراحة. وإذا شعر بالرضا عن إنجاز حققه قيل له: ابحث عن هدف أكبر. وإذا وصل إلى ذلك الهدف قيل له: هناك هدف آخر ينتظرك.

وهكذا يجد الإنسان نفسه في سباق لا ينتهي. وقد يظن أنه يتحرك نحو السعادة، لكنه مع الوقت يكتشف أنه أصبح يتحرك لأن الحركة نفسها أصبحت مطلوبة، لا لأنه يعرف إلى أين يتجه.

وهنا يظهر سؤال مهم:

إذا كانت الأمور مستقرة وجيدة، فلماذا أغيرها؟
ولماذا ينطبق الخروج من منطقة الراحة على تغيير الوظيفة أو الأهداف ولا ينطبق على العلاقات؟
هل سمعت يومًا عن شخص مل من صُحبة اصدقاؤه وقرر فجأة أن يغيرهم على سبيل الخروج من منطقة الراحة؟
بالطبع لا، إنه ضرب من الجنون.

إذا كان الإنسان يقوم بمسؤولياته، وينمو بصورة طبيعية، ويعيش حياة متوازنة، ويجد في يومه معنى وطمأنينة، فما الذي يفرض عليه أن يهدم هذا التوازن بحثًا عن تحدٍ جديد فقط لأن ثقافة العصر تمجد التغيير المستمر؟

ومن هنا يجب التفريق بين مصطلحين في غاية الأهمية... الثبات والركود.

هناك فرق كبير بينهما.

فالركود هو أن يبقى الإنسان في مكانه رغم وجود خطأ يحتاج إلى إصلاح أو فرصة يحتاج إلى اغتنامها أو واجب يتهرب منه خوفًا من التغيير.

أما الثبات فهو أن يجد الإنسان موضعًا صالحًا لحياته فيستقر فيه ويثمر من خلاله.

فالشجرة المثمرة لا تنتقل كل عام إلى أرض جديدة حتى تثبت أنها تتطور. ذلك لأن قوتها الحقيقية تأتي من جذورها الراسخة. وهي مع ذلك تنمو وتزهر وتعطي الثمار عامًا بعد عام.

كذلك الإنسان.

فليس مطلوبًا منه أن يغير حياته باستمرار، وإنما أن ينمو حيث هو، وأن يثمر حيث وضعه الله.

وإذا تأملنا المسألة من منظور ديني، سنجد أن السؤال المنتشر اليوم: (هل خرجت من منطقة الراحة؟) ليس هو السؤال الأهم أصلًا.

السؤال الأهم هو: إلى أين أذهب؟ ولماذا أتحرك؟

فالحركة ليست فضيلة في ذاتها، كما أن السكون ليس عيبًا في ذاته. فقد يكون الإنسان كثير الحركة لكنه تائه لا يعرف غايته، وقد يكون مستقرًا في مكانه لكنه يسير بثبات نحو الله

لقد أخبرنا الله تعالى أن الغاية من خلق الإنسان هي العبادة، فقال سبحانه: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾.

وهذه الآية تعيد ترتيب الأولويات كلها. فالإنسان لم يُخلق ليجمع أكبر عدد من الإنجازات، ولم يُخلق ليعيش عمره كله في مطاردة التحديات، ولم يُخلق ليقيس قيمة نفسه بحجم التغيير الذي يحدثه في حياته كل عام.

لقد خُلق ليعرف ربه ويعبده ويعمر الأرض وفق هذا المقصد. أما ما عدا ذلك فهو وسائل لا غايات.

ولهذا فإن بعض الناس يقضون أعمارهم في الانتقال من هدف إلى هدف، ومن تجربة إلى أخرى، ومن مشروع إلى مشروع، ظانين أنهم يقتربون من الراحة، بينما هم في الحقيقة يبتعدون عنها أكثر فأكثر. فكلما وصلوا إلى محطة ظهرت محطة أخرى، وكلما حققوا إنجازًا ظهر إنجاز أكبر منه.

وتتحول الحياة تدريجيًا إلى دائرة لا تنتهي وحركة مستمرة دون وصول حقيقي وجهد متواصل دون سكينة

وسعي دائم دون شعور بالاكتفاء.

وكأن الإنسان أصبح يدور في ساقية لا تتوقف، يبدل هدفًا بهدف، وطموحًا بطموح، لكنه نادرًا ما يقف ليسأل نفسه: ما الغاية النهائية من كل هذا؟

إن الإنسان ليس آلة إنتاج، وليس شركة تحتاج إلى مضاعفة أرباحها كل عام، وليس مشروعًا للتطوير المستمر بلا نهاية.

إنه روح قبل كل شيء.

روح تحتاج إلى المعنى في الحياة كما تحتاج إلى الإنجاز، وإلى السكينة كما تحتاج إلى الحركة، وإلى التأمل كما تحتاج إلى العمل. ولهذا ينبغي أن ننظر إلى الاستقرار باعتباره نعمة إذا كان استقرارًا على الخير.

فالاستقرار الذي يعين الإنسان على العبادة، ويمنحه الطمأنينة، ويمكنه من أداء واجباته، ليس قيدًا يجب كسره، بل نعمة تستحق الشكر. وإذا تأملنا معنى الاستقرار من هذا المنظور سنجد أن هذا بالضبط هو الغاية من الزواج. لقد جعل الله الزواج سكينة ورحمة واستقرار ليعين الإنسان على العبادة عن طريق إشباع حاجاته، أما إذا فكرنا بمنطلق التغيير كهدف من أجل لا شيء سنجد أنه لا داعي للزواج لأنه لا داعي للاستقرار من الأساس.

أما التغيير فيكون مطلوبًا عندما يوجد سبب حقيقي يدعو إليه: خطأ يحتاج إلى إصلاح، أو تقصير يحتاج إلى علاج، أو قدرة يمكن استثمارها في خير أكبر. لكن التغيير من أجل التغيير فقط، فهو قد يتحول إلى عبء نفسي لا يقل ضررًا عن الجمود الذي يحاول الناس الهروب منه في الأساس.

إن الحكمة ليست في البقاء الدائم داخل منطقة الراحة، كما أنها ليست في الخروج الدائم منها.

الحكمة هي أن يعرف الإنسان متى يتحرك ومتى يستقر، وأن يدرك أن قيمة حياته لا تُقاس بعدد المغامرات التي خاضها، ولا بعدد المرات التي غادر فيها منطقة الراحة، وإنما بقربه من الله، وصدق سيره إليه، وحسن قيامه بالغاية التي خُلق من أجلها.

 








With love

Hala Signature