من قال أن علينا أن نختار؟
ومن الذي أقنعنا أن الانتماء إلى أحدهما لا يكتمل
إلا بالتبرؤ من الآخر؟
انتشرت مؤخرًا في مصر
معركة لا تنتهي حول سؤال: أيهما أولى، الدين أم الهوية المصرية؟
لقد أحدث هذا السؤال العديد من الصراعات بين
الناس على وسائل التواصل الاجتماعي حتى تحول الأمر إلى مشادات كلامية وتكفير
ومحاولة إظهار كل شخص لانتمائه بصورة فجة تصل إلى سب الطرف الآخر.
فهناك فريق يرى أن التمسك بالدين هو الأصل، وأن
كل ما عداه لا قيمة له إذا تعارض معه، وقد ينظر إلى كل من يرفع راية الهوية
المصرية أو يحتفي ببعض مظاهر التراث بعين الريبة، وكأن الاعتزاز بالوطن لا بد أن
يكون على حساب العقيدة.
وفريق آخر يسمون أنفسهم الكيميتيين أو القوميين يرى
أن الهوية المصرية هي الأصل الذي يجب الحفاظ عليه، وقد ينظر إلى المتدين نظرة
تختزله في الجهل أو الجمود أو الانفصال عن الواقع ومحاولة التقليد الأعمى لعادات
غير المصريين، وكأن التمسك بالدين يعني بالضرورة رفض الثقافة المصرية وتاريخها.
وبين الفريقين تضيع حقيقة بسيطة غائبة عن الجميع
بسبب التعصب الأعمى:
لماذا علينا أن نختار أصلًا؟
إن كون الإنسان مسلمًا لا يمحو كونه مصريًا، كما
أن كونه مصريًا لا يجعله أقل إسلامًا
بل إن الهوية المصرية نفسها لم تتكون في لحظة
واحدة، ولم يصنعها جيل واحد. إنها حصيلة تاريخ طويل مرت فيه مصر بمراحل وحضارات
وتحولات كثيرة، وترك كل عصر شيئًا في ذاكرتها. لكن الاعتراف بهذا التاريخ لا يعني
تقديس كل ما فيه، كما أن رفض بعض مراحله أو نقدها لا يعني محوها من الذاكرة.
هناك فرق بين أن تعرف تاريخك، وبين أن تقدسه.
وفرق بين أن تعتز بوطنك، وبين أن تجعل الوطن
بديلًا عن كل انتماء آخر.
وفرق بين أن تتمسك بعقيدتك، وبين أن ترى كل ما
يختلف عنها جهلًا أو كفرًا.
وربما هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فنحن أحيانًا لا ندافع عن هويتنا إلا عندما نشعر
أن هناك من يهددها ويسلب مجدها، وعندما يشعر الإنسان أن جزءًا من هويته مهدد، قد
يتحول الانتماء عنده إلى معركة تعصب.
فيبدأ في تعريف نفسه بالنقيض تمامًا:
أنا لست مثل هؤلاء. أنا لا أحب ما يحبونه. أنا لا
أؤمن بما يؤمنون به. أنا لا أنتمي إلى عالمهم. وبمرور الوقت، يصبح الانتماء قائمًا
على الرفض والعراك أكثر مما هو قائم على المعرفة.
إن الاتزان لا يعني أن نساوي بين كل شيء، فالعقيدة
عقيدة. والوطن وطن. والتاريخ تاريخ.
والثقافة ثقافة. ولا يحتاج أحد هذه الأشياء إلى
أن يمحو الآخر حتى يكون موجودًا
المشكلة تبدأ عندما نطلب من الهوية أن تكون نسخة
واحدة لا تقبل الإضافة.
عندها يصبح الاختلاف تهديدًا، ويصبح التنوع
تناقضًا، ويصبح كل شخص مطالبًا بأن يثبت انتماءه بإلغاء انتماء آخر.
وربما كان السؤال الذي نحتاج إلى طرحه على أنفسنا
ليس: أيهما أختار؟
وإنما:
كيف أستطيع أن أنتمي دون أن أتحول إلى نسخة
معادية من كل من لا ينتمي بالطريقة نفسها؟
إن الإنسان لا يصبح أكثر ثباتًا حين يمحو نصف
نفسه، وإنما حين يعرف كيف يضع كل جزء من أجزاء هويته في موضعه الصحيح وأن يُظهرها
في الوقت المناسب.
ولعلنا نحتاج في زمن كثرت فيه الخصومات حول
الهوية إلى شيء من الهدوء.
أن نتوقف عن سؤال الآخر: كيف تستطيع أن تكون هذا
وذاك؟
وأن نسأل بدلًا من ذلك:
لماذا افترضنا من البداية أن (هذا) يلغي (ذاك)؟
ومن أجمل ما يوضح الفرق بين العقيدة والعادة
والميل الشخصي موقف النبي ﷺ من الضب؛ فقد عافه لأنه لم يكن من طعام قومه، فلما
سُئل: أحرام هو؟ قال: لا. فأكل خالد بن الوليد منه والنبي ﷺ ينظر إليه ولم ينكر
عليه. وهنا نرى بوضوح أن عدم اعتياد الإنسان على شيء، أو نفوره منه، لا يحوله إلى
حكم ديني، كما أن اختلاف الناس في أذواقهم وعاداتهم لا يعني اختلافهم في أصول
عقيدتهم.
ولتتذكر دائمًا عزيزي القارئ أن هذا الاتزان لا يعني أن تصبح العقيدة أمرًا قابلًا للمساومة، أو أن يتحول الاعتزاز بالهوية إلى مبرر للتنازل عن مبدأ ديني. فالثقافة تتغير، والعادات تختلف، والذوق يتبدل، أما ما يراه الإنسان من أصول دينه حقًا فلا يجعله تابعًا لكل ما يحيط به. وكما لا ينبغي أن نمحو هويتنا الثقافية لنثبت تديننا، لا ينبغي كذلك أن نتخلى عن مبادئ ديننا لنثبت انتماءنا الثقافي.
With love

