لقد ظل التوازن بين الحركة والاستقرار أحد
الأسئلة القديمة التي رافقت الإنسان عبر العصور. فمتى يكون الثبات حكمة؟ ومتى
يتحول إلى جمود؟
لقد انتشر في السنوات الأخيرة مصطلح منطقة الراحة أو الكومفرت زوون كما هو شائع
تسميتها بالإنجليزية بشكل مجنون بين الناس و بصورة غير مسبوقة، ورأينا كيف ينصح
الناس بعضهم بالتخلي عن منطقة الراحة لأن السكون إليها هو المسبب الرئيسي للفشل في
الحياه. وأصبحت النصائح تتكرر في كل مكان: اخرج من منطقة الراحة، جرب المزيد، غامر
أكثر، لا تستقر طويلًا، لا تعتد شيئًا، لا تبق في مكانك.
فهل أصبحت منطقة الراحة عبادة جديدة؟
مع
كثرة تكرار هذه العبارات، نشأ انطباع ضمني بأن الراحة شيء سلبي، وأن الاستقرار نوع
من الجمود، وأن الإنسان كلما كان أكثر انشغالًا بالتغيير والتنقل من تجربة إلى
أخرى كان أقرب إلى النجاح.
لكن هل
الأمر بهذه البساطة فعلًا؟
الحقيقة
أن المشكلة تكمن في تحويل الخروج من منطقة الراحة والاستقرار إلى هدف مستقل، وكأن
الإنسان خُلق ليظل في حالة حركة دائمة لا تنتهي.
فإذا
تأملنا حياتنا سنجد أن كثيرًا من الأشياء الجميلة فيها تقوم أصلًا على الاستقرار.
فالأسرة المستقرة نعمة، والصداقة المستقرة نعمة، والبيت المستقر نعمة، وحتى
الطمأنينة النفسية التي يبحث عنها الجميع ليست سوى صورة من صور الاستقرار الداخلي.
فلماذا
أصبح الاستقرار فجأة أمرًا يُنظر إليه بريبة؟
ربما
لأن بعض خطابات التنمية الذاتية الحديثة تنظر إلى الإنسان باعتباره مشروعًا يجب أن
ينمو بلا توقف. فإذا اعتاد عملًا معينًا قيل له: اخرج من منطقة الراحة. وإذا استقر
في مكان معين قيل له: اخرج من منطقة الراحة. وإذا شعر بالرضا عن إنجاز حققه قيل
له: ابحث عن هدف أكبر. وإذا وصل إلى ذلك الهدف قيل له: هناك هدف آخر ينتظرك.
وهكذا
يجد الإنسان نفسه في سباق لا ينتهي. وقد يظن أنه يتحرك نحو السعادة، لكنه مع الوقت
يكتشف أنه أصبح يتحرك لأن الحركة نفسها أصبحت مطلوبة، لا لأنه يعرف إلى أين يتجه.
وهنا
يظهر سؤال مهم:
إذا
كانت الأمور مستقرة وجيدة، فلماذا أغيرها؟
ولماذا ينطبق الخروج من منطقة الراحة على تغيير الوظيفة أو الأهداف ولا ينطبق على
العلاقات؟
هل سمعت يومًا عن شخص مل من صُحبة اصدقاؤه وقرر فجأة أن يغيرهم على سبيل الخروج من
منطقة الراحة؟
بالطبع لا، إنه ضرب من الجنون.
إذا
كان الإنسان يقوم بمسؤولياته، وينمو بصورة طبيعية، ويعيش حياة متوازنة، ويجد في
يومه معنى وطمأنينة، فما الذي يفرض عليه أن يهدم هذا التوازن بحثًا عن تحدٍ جديد
فقط لأن ثقافة العصر تمجد التغيير المستمر؟
ومن
هنا يجب التفريق بين مصطلحين في غاية الأهمية... الثبات والركود.
هناك
فرق كبير بينهما.
فالركود
هو أن يبقى الإنسان في مكانه رغم وجود خطأ يحتاج إلى إصلاح أو فرصة يحتاج إلى
اغتنامها أو واجب يتهرب منه خوفًا من التغيير.
أما
الثبات فهو أن يجد الإنسان موضعًا صالحًا لحياته فيستقر فيه ويثمر من خلاله.
فالشجرة
المثمرة لا تنتقل كل عام إلى أرض جديدة حتى تثبت أنها تتطور. ذلك لأن قوتها
الحقيقية تأتي من جذورها الراسخة. وهي مع ذلك تنمو وتزهر وتعطي الثمار عامًا بعد
عام.
كذلك
الإنسان.
فليس
مطلوبًا منه أن يغير حياته باستمرار، وإنما أن ينمو حيث هو، وأن يثمر حيث وضعه
الله.
وإذا
تأملنا المسألة من منظور ديني، سنجد أن السؤال المنتشر اليوم: (هل خرجت من منطقة
الراحة؟) ليس هو السؤال الأهم أصلًا.
السؤال
الأهم هو: إلى أين أذهب؟ ولماذا أتحرك؟
فالحركة
ليست فضيلة في ذاتها، كما أن السكون ليس عيبًا في ذاته. فقد يكون الإنسان كثير
الحركة لكنه تائه لا يعرف غايته، وقد يكون مستقرًا في مكانه لكنه يسير بثبات نحو
الله
لقد
أخبرنا الله تعالى أن الغاية من خلق الإنسان هي العبادة، فقال سبحانه: ﴿وما خلقت
الجن والإنس إلا ليعبدون﴾.
وهذه
الآية تعيد ترتيب الأولويات كلها. فالإنسان لم يُخلق ليجمع أكبر عدد من الإنجازات،
ولم يُخلق ليعيش عمره كله في مطاردة التحديات، ولم يُخلق ليقيس قيمة نفسه بحجم
التغيير الذي يحدثه في حياته كل عام.
لقد
خُلق ليعرف ربه ويعبده ويعمر الأرض وفق هذا المقصد. أما ما عدا ذلك فهو وسائل لا
غايات.
ولهذا
فإن بعض الناس يقضون أعمارهم في الانتقال من هدف إلى هدف، ومن تجربة إلى أخرى، ومن
مشروع إلى مشروع، ظانين أنهم يقتربون من الراحة، بينما هم في الحقيقة يبتعدون عنها
أكثر فأكثر. فكلما وصلوا إلى محطة ظهرت محطة أخرى، وكلما حققوا إنجازًا ظهر إنجاز
أكبر منه.
وتتحول
الحياة تدريجيًا إلى دائرة لا تنتهي وحركة مستمرة دون وصول حقيقي وجهد متواصل دون
سكينة
وسعي
دائم دون شعور بالاكتفاء.
وكأن
الإنسان أصبح يدور في ساقية لا تتوقف، يبدل هدفًا بهدف، وطموحًا بطموح، لكنه
نادرًا ما يقف ليسأل نفسه: ما الغاية النهائية من كل هذا؟
إن
الإنسان ليس آلة إنتاج، وليس شركة تحتاج إلى مضاعفة أرباحها كل عام، وليس مشروعًا
للتطوير المستمر بلا نهاية.
إنه
روح قبل كل شيء.
روح
تحتاج إلى المعنى في الحياة كما تحتاج إلى الإنجاز، وإلى السكينة كما تحتاج إلى
الحركة، وإلى التأمل كما تحتاج إلى العمل. ولهذا ينبغي أن ننظر إلى الاستقرار
باعتباره نعمة إذا كان استقرارًا على الخير.
فالاستقرار
الذي يعين الإنسان على العبادة، ويمنحه الطمأنينة، ويمكنه من أداء واجباته، ليس
قيدًا يجب كسره، بل نعمة تستحق الشكر. وإذا تأملنا معنى الاستقرار من هذا المنظور
سنجد أن هذا بالضبط هو الغاية من الزواج. لقد جعل الله الزواج سكينة ورحمة واستقرار
ليعين الإنسان على العبادة عن طريق إشباع حاجاته، أما إذا فكرنا بمنطلق التغيير
كهدف من أجل لا شيء سنجد أنه لا داعي للزواج لأنه لا داعي للاستقرار من الأساس.
أما
التغيير فيكون مطلوبًا عندما يوجد سبب حقيقي يدعو إليه: خطأ يحتاج إلى إصلاح، أو
تقصير يحتاج إلى علاج، أو قدرة يمكن استثمارها في خير أكبر. لكن التغيير من أجل
التغيير فقط، فهو قد يتحول إلى عبء نفسي لا يقل ضررًا عن الجمود الذي يحاول الناس
الهروب منه في الأساس.
إن
الحكمة ليست في البقاء الدائم داخل منطقة الراحة، كما أنها ليست في الخروج الدائم
منها.
الحكمة
هي أن يعرف الإنسان متى يتحرك ومتى يستقر، وأن يدرك أن قيمة حياته لا تُقاس بعدد
المغامرات التي خاضها، ولا بعدد المرات التي غادر فيها منطقة الراحة، وإنما بقربه
من الله، وصدق سيره إليه، وحسن قيامه بالغاية التي خُلق من أجلها.
With love

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق