
في يوليو الماضي، قررت أن أبدأ رحلة فريدة إلى جزيرة الأشجار المفقودة.
توجهت إليها بكل قلبي، مدفوعة برغبة في محاورة شجرة التين، والإنصات إلى حكمتها، ومرافقتها في رحلتها عبر الزمن والذاكرة.
كنت متحمسة كثيرًا لهذه الرحلة، لكنني اكتشفت أن التعامل مع بعض الأدباء قد يكون أشبه بعلاقة معقدة؛ تمنحك كلماتهم متعة أدبية خالصة، وتأخذك صياغاتهم إلى عوالم يصعب مغادرتها، ثم تفاجئك بأنك تقف على الضفة الأخرى تمامًا من أفكارهم.
وهذا تحديدًا ما أشعر به تجاه إليف شافاك.
أحب طريقتها في الكتابة، تلك القدرة اللافتة على تطويع اللغة، وعلى تحويل التفاصيل الصغيرة إلى مشاهد نابضة بالحياة. أحب وصفها، وانسياب سردها، والطريقة التي تنسج بها الحكايات وتتشابك فيها الأزمنة والمشاعر. لديها قلم يعرف جيدًا كيف يجذب القارئ ويحتفظ بانتباهه.
لكن مع «جزيرة الأشجار المفقودة» وجدت نفسي أمام مساحة واسعة من الاختلاف الفكري.
الرواية تحمل بين صفحاتها قضايا تتجاوز حكاية الحب والفقد والاقتلاع من الجذور؛ فهي تتبنى بوضوح تصورات فكرية تتعارض مع مرجعيتي الدينية، وعلى رأسها تقديم العلاقات المثلية بصورة إيجابية وداعمة، إلى جانب أفكار أخرى تتصادم مع ما أؤمن به من ثوابت دينية وأخلاقية.
وما يزعجني في هذا النوع من الأعمال أن الأفكار لا تأتي دائمًا في صورة أطروحات مباشرة يمكن مناقشتها بمعزل عن الحكاية، بل تتسلل عبر الشخصيات ومصائرها والتعاطف الذي تصنعه الكاتبة معها، فتغدو جزءًا من النسيج العاطفي للرواية.
خرجت من الرواية وأنا ما زلت أرى إليف شافاك كاتبة تمتلك أدوات أدبية مميزة، وأعترف أنني استمتعت بكثير من مقاطعها، لكنني أيضًا كنت في حالة اعتراض مستمرة على جانب كبير من عالمها الفكري.
ربما لهذا السبب كانت الرحلة مربكة بعض الشيء؛ فبين سحر اللغة والاعتراض على الأفكار، وجدت نفسي أقرأ بعينين مختلفتين: عين تستمتع بما يقدمه القلم، وأخرى لا تستطيع تجاوز ما يطرحه الفكر.
أما شجرة التين، فقد استمعت إليها حتى الصفحة الأخيرة، لكنني لم أخرج من الجزيرة محمّلة بكل الحكمة التي كنت أرجوها.
With love
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق