لقد بعثت قريش النضر بن الحارث إلى احبار يهود المدينة وسألوه عن النبي محمد صل
الله عليه وسلم وقالوا لهم سلوه عن ثلاثة إن عرفهم فهو نبي.. وكان من ضمن الأمور
الثلاثة التي سألوا عنها.. فتية ذهبوا في الدهر الأول ولهم حديث غريب.
تخيل معي أن أمر هؤلاء الفتية قد وصلت أخبارهم إلى قريش بعد مئات السنين في عصر لم
تتناقل فيه الأخبار إلا شفاهية. وهذا إن دل فهو يدل على مدى تأثر الناس عبر العصور
بتلك القصة الغريبة.
عندما يقرأ الإنسان سورة الكهف لأول مرة، قد يظن أن أبطال القصة هم مجموعة من الفتية
الذين اختبأوا داخل كهف هربًا من الاضطهاد. لكن بعد التأمل قليلًا يكتشف أن القصة
لا تتحدث عن مجرد أشخاص هاربين بقدر ما تتحدث عن فكرة أعمق بكثير: ما الذي يبقى من
الإنسان بعد أن يمر الزمن؟
إن من أغرب ما يلفت الانتباه في قصة أصحاب الكهف
أن القرآن خلد أسماءهم المعنوية
وموقفهم، بينما لم يهتم بتخليد اسم الملك الذي كانوا يفرون منه. لقد كان ذلك الملك
في زمانه صاحب السلطة والجيش والمال والنفوذ، وكانت أوامره نافذة على الناس
جميعًا. وربما كان يظن أنه هو مركز العالم وأن التاريخ سيدور حوله إلى الأبد. لكن
القرون مرت، فاختفى اسمه
من ذاكرة البشر، بينما بقي ذكر أولئك الفتية يتردد على ألسنة الملايين.
وهنا نطرح سؤالًا مهمًا: كيف تختفي سيرة صاحب القصر وتبقى سيرة ساكن الكهف؟
لقد اعتاد الإنسان أن يقيس النجاح بما
يراه أمام عينيه. فالقصور تلمع، والجيوش تثير الهيبة، والأموال تجذب الأنظار، أما
المبادئ فلا يمكن لمسها باليد ولا رؤيتها بالعين. لذلك يظن كثير من الناس أن القوة
هي التي تصنع الخلود. لكن التاريخ يكرر الدرس نفسه في كل عصر: القوة قد تصنع
ضجيجًا مؤقتًا، أما المبدأ فيصنع أثرًا طويلًا.
يُقال إنه كان يوم عيد من الأعياد إذ خرج هؤلاء الفتية الذين هم من أبناء ملوك
الروم وساداتهم، خرجوا ليجدوا قومهم يعبدون الأصنام ويحتفلون بها ويقدمون إليها القرابين.
فأبتعد الفتية عن هذا الاحتفال تاركين ورائهم رغد العيش والمجد والثراء وجلس كل
منهم تحت شجرة وهم لم يعرفوا بعض من الأساس لكن قلوبهم اجتمعت على التوحيد ورفض
عبادة الأصنام. فسبحان من جمعهم في نفس المكان ونفس الوقت ولنفس السبب.
كان كل منهم صامتًا يكتم ايمانه في قلبه مخافة أن يفشي سره الآخر، حتى تكلم أحدهم
أن وجودهم هنا ليس صدفة. وعندما أفصح كل منهم عن مكنونات قلبه، صاروا يدًا واحدة
مجتمعين على الحق. وعندما بنوا معبدًا لعبادة الله وحده، وشى بهم قومهم إلى الملك
وأمر بتجريدهم من كل ما يملكوه من زينة الدنيا. فلاذوا بالفرار إلى ذلك الكهف حتى
يكونوا بمأمن من الملك وأعوانه.
كان
أصحاب الكهف يملكون خيارًا أسهل بكثير من الهروب. كان بإمكانهم أن يسايروا
المجتمع، وأن يخفوا قناعاتهم، وأن يعيشوا حياة هادئة داخل النظام القائم. كان
بإمكانهم أن يحتفظوا بمناصبهم ومكانتهم وأمانهم الشخصي. لكنهم أدركوا أن الإنسان
عندما يخسر مبدأه لا يربح شيئًا حقيقيًا مهما احتفظ من مكاسب أخرى.
ولهذا كان
الكهف في قصتهم رمزًا للاختيار الصعب الذي يواجهه كل إنسان في حياته: هل يتمسك بما
يؤمن به أم يبيعه مقابل الراحة؟
ومن المفارقات العجيبة أن الكهف في نظر الناس كان مكانًا ضيقًا ومظلمًا وفقيرًا،
بينما كان القصر مكانًا واسعًا ومضيئًا ومترفًا. ومع ذلك تحول الكهف إلى رمز
للنجاة، بينما تحول القصر إلى رمز للنسيان. وكأن القصة تقول إن قيمة المكان لا
تأتي من جدرانه، إنما تأتي من
المبادئ التي يحملها من يعيش داخله.
إن الإنسان بطبيعته مفتون بالقوة الظاهرة. فهو
يرى التاج ولا يرى القلق الذي تحته، ويرى الجيوش ولا يرى هشاشتها أمام الزمن، ويرى
القصور ولا يرى أنها تتحول يومًا ما إلى أطلال. أما المبدأ فلا يبدو قويًا في
لحظته الأولى، وقد يبدو ضعيفًا ومعزولًا ومهزومًا.
لكن الزمن غالبًا ما يعمل لصالحه. ولهذا
نجد أن القرآن لم يركز على تفاصيل السلطة التي واجهت أصحاب الكهف بقدر ما ركز على
موقفهم منها. فالرسالة جاءت لتعليم الناس بقيمة الثبات؛ لأن الأسماء تتغير من عصر
إلى عصر، أما الامتحان فيبقى هو نفسه.
وفي
حياتنا الحديثة لا تزال القصة تتكرر بأشكال مختلفة. فهناك من يختار القصر الرمزي؛
فيتنازل عن قناعاته ليكسب قبول الناس أو مكانة اجتماعية أو منفعة سريعة. وهناك من
يختار الكهف الرمزي؛ فيتمسك بما يراه حقًا حتى لو دفع ثمن ذلك من راحته أو شعبيته
أو مكاسبه
الشخصية.
ولهذا بقي ذكر أولئك الفتية خالدًا عبر القرون،
لأنهم امتلكوا الشجاعة ليقولوا (لا) عندما كان الجميع يقول (نعم). فالتاريخ لا يخلد
دائمًا أصحاب القصور والتيجان، وإنما يخلد أولئك الذين ثبتوا على الحق حين كان
الثبات هو الخيار الأصعب. وتلك هي الرسالة التي تجعل قصة أصحاب الكهف حية متنقلة
في حكايات الناس في كل زمان حتى قبل نزول سورة الكهف: أن ما يبقى من الإنسان في
النهاية ليس ما ملكه، لكن ما آمن به ودافع عنه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق